من ينقذ نصب الحرية من الإهمال ؟

881 views0

نصب الحرية

بالقرب من نصب الحرية وسط العاصمة بغداد، كانت ضحكات وهتافات الأولاد الصغار علي ومثنى وجمال تتعالى، إذ كانوا يستمتعون بإلتقاط الصور في هذا المكان لأهميته التاريخية بالنسبة للعراقيين، وكان والدهم الأربعيني كرار حيدر يستمتع معهم ويقول: «أحرص دائما على جلب أولادي هنا وأحدثهم عن تاريخ البلاد التي لم ترضخ للظلم والجور يوما وكانت دائما تثور بوجه الفساد والفاسدين. ان هذا المكان لا يخص فئة محددة او جماعة معينة بل هو يضم العراقيين بمختلف توجهاتهم وأديانهم وطوائفهم، لكن لم نجد هناك اهتماما كبيرا به بالرغم من ارتباطه بذاكرة الشعب العراقي، وحاضره ومستقبله ايضا».
ويرى رئيس قسم الفنون التشكيلية في اكاديمية الفنون الجميلة الدكتور محمد الكناني: «ان هذا النصب يعد من أهم الأعمال الفنية المنجزة في تاريخ البلاد ليس على مستوى التقنية والشكل والتنفيذ فقط، بل ايضا أنه يمثل جزءا مهما من الوثائق التاريخية المؤرشفة للتاريخ السياسي والثقافي والجمالي، وهو من أهم النصب التي اشتغل عليها فنانون على مستوى الوطن العربي والعالم، وأقيم لسبب ما ومن أجل ظاهرة سياسية ما، حيث قام بنحته الرائد في الحركة التشكيلية العراقية جواد سليم، واستثمر كل خبرته ومعرفته الفنية فيه، ويعد سليم الرائد الاول المؤسس لخطوط مشروع الحداثة في الرسم والنحت كما انه صاحب التجمع الاول الذي أسس لمفاهيم ثقافية وجمالية للفن العراقي المعاصر وهي (جماعة بغداد للفن الحديث) في الخمسينيات، والتي سعت الى ايجاد ثقافة ترتقي بذائقة الناس
آنذاك».رمز للحرية والديمقراطية

وبينما يقف كرار أمام النصب برفقة أولاده الصغار، يتحدث بحماس وزهو عن اهمية النصب بقوله: «يعد نصب الحرية من أرقى الأشكال الفنية، وأنت تقف أمامه تشعر وكأنك تستحضر تاريخ وثقافة البلاد، ومختلف طبقاتها الاجتماعية التي ثارت وتثور على الظلم وتسعى الى تحقيق الحرية والديمقراطية».
وعلى هذا الكلام تعلق الناشطة المدنية هناء ادور قائلة: «ان لساحة التحرير ونصب الحرية الذي يقف شامخا في تلك الساحة اهمية كبيرة، اذ أبدع الفنان جواد سليم في رسم تاريخ أهم ما حصل في العراق، اذ خلد ثورة الرابع عشر من تموز واختار المتظاهرون ان تكون ساحة التحرير مكانا لاحتجاجاتهم بعد سقوط النظام الصدامي ومطالبتهم بالإصلاح لأنها تعني الكثير للعراقيين، وتعزز رغبتهم بترسيخ الحرية والديمقراطية، وحقوق الإنسان وحرية الرأي والمعتقد وان يكون المواطن متمتعا بجميع حقوقه، ورغم اهمية هذا النصب إلا أنه في الواقع يعاني من الاهمال من قبل امانة بغداد والجهات ذات العلاقة بالرغم من تمتعه بموقع ستراتيجي مهم في قلب العاصمة بغداد».
ويتفق معها بالرأي الاعلامي والناشط المدني حسين قاسم بالقول: « في بغداد هناك الكثير من النصب والساحات المهمة، والكثير من الاحتجاجات الشعبية انطلقت من مختلف هذه الساحات، ولكن لساحة التحرير ونصبها اهمية وخصوصية فضلا عن قربه من المنطقة الخضراء اولا وهو مركز العاصمة بغداد، وتأتي الاهمية من الاسم الذي يحمله اذ ان الحرية مهمة بالنسبة للعراقيين، ولم يحصلوا عليها إلا منذ وقت قريب ويرغبون بالحفاظ عليها، ويهدفون الى تحقيق الدولة المدنية التي تحترم الحريات والمعتقدات المختلفة».

ترميم النصب

وبصوت مليء بالحسرة يقول الرجل الاربعيني كرار حيدر: «ان هذا النصب بالفعل يحتاج الى ترميم وإدامة، اذ بدأت بعض القطع تتساقط منه، ولا بد ان تهتم الجهات ذات العلاقة بترميمه، والحفاظ عليه لانه يشكل جزءا لا يتجزأ من ذاكرة العراقيين جميعا».
ونقلا عن بعض وسائل الاعلام  فإن رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي اوعز في وقت سابق الى امانة بغداد، بإجراء اعمال صيانة نصب الحرية وسط العاصمة بغداد وملحقاته سريعا احتراما لرمزيته واهميته الكبيرة.
وبشأن ترميم النصب والاجراءات المهمة التي تعتزم امانة بغداد القيام بها يقول الناطق الرسمي باسم الامانة حكيم عبد الزهرة: «هناك اجراءات وخطوات لترميم النصب، اذ خاطبت الامانة جهات اجنبية متخصصة من بينها شركة ايطالية لغرض التعرف على طرق الترميم التي تحافظ على خصوصيته، وفي الوقت نفسه تعيد الحياة اليه، وهذه الدراسات لا بد ان تكون رصينة وعلمية حتى لا تضر به وتحافظ على خصوصيته التاريخية المهمة، اذ انه يشكل رمزا مهما من رموز التاريخ العراقي»، ولا يخفي عبد الزهرة بأن «الازمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد اثرت على مفاصل الحياة المختلفة، ومن بينها اعادة الترميم لهذا النصب الا ان المساعي مستمرة لترميمه».

عمل فني عالمي

وبينما هو محاط بأولاده الثلاث يتابع كرار كلامه قائلا: «ان العراق من البلدان ذات الحضارة العريقة، وهناك شواهد مختلفة على هذه الحضارة وتطورها ونحن نفخر بنصب الحرية لانه من الاعمال الفنية التي تستحق ان يكون لها صدى عالمي وزوار من مختلف دول العالم، وذلك للبراعة التي يمتاز فيها». ويوضح الكناني: «ان جواد سليم استطاع ان يستوعب التجربة الاوروبية المعاصرة ودمجها مع الفن الرافديني والارث العربي والاسلامي وصاغ أشكالا ذات منحى معاصر، ولكنها تحمل خصوصية البيئة والمكان، اذ حاول ان يرسي دعائم ثقافة مهمة ويكرس مبدأ الحرية في الرسم والتشكيل، ويعد انتاجه لنصب الحرية مزيجا من التأثيرات العالمية والعربية اذ كان شاهدا على ثورة الرابع عشر من تموز بمفردات النصب التي منها مفردات انسانية ومنها ايضا حيوانان هما الثور والحصان، وشكل النصب كأنه لافتة تقرأ من اليمين الى اليسار وبالعكس وهو بمثابة سجل وحركة لتاريخ العراق وتحرره من سلطات الظلم والجور».
ويقترح الكناني: «ان يكون هناك متحف ملحق بساحة التحرير، يكون بمثابة سجل تاريخي مهم للحركات الثورية التي كان لها الاثر الاكبر على المجتمع، فضلا عن جعله معلما من المعالم السياحية أسوة بدول العالم المختلفة، التي تخلد مناضليها وقادتها».
في حين يجد استاذ الفنون الجميلة الدكتور سلام ادور: «ان هذا العملاق الهندسي شكل في حينه حالة من الاندماج والتناقض ايضا مع ذلك المحيط النسقي للثقافة البغدادية الموجودة في حينها، اذ كان غريبا على الثقافة البسيطة التي كانت حاضرة آنذاك في الشارع العراقي مقارنة بالعالم المتمدن الذي انبثق بعد الحرب العالمية الثانية، كما كان رمزا للتغيير الاجتماعي والفكري والسياسي ومغامرة فنية وانشائية ومعمارية آنذاك،  فضلا عن اعتباره أيقونة لعبد الكريم قاسم وجواد سليم وتلك الثورة الفتية التي خرجت من رحم عاصمة منسية من دول العالم الثالث، وجعلت انظار العالم متوجهة اليها».

رموز معبرة

وعلى مسافة قريبة من النصب كان الستيني جليل ناصر ورفاقه يجلسون ويتبادلون الآراء المختلفة، وعن الاهمية التاريخية لهذا المكان قال: «هذا العمل الفني المهم، هو بمثابة لسان حال لكل العراقيين، فهو يعبرعن اهم ثورة غيرت مسار الحياة السياسية والاجتماعية في البلاد، وهو يعد بحق تحفة فنية ومعمارية تستحق ان نفخر بها اذ مثلت جميع الطبقات الاجتماعية والتشكيلات المهمة في المجتمع، ولكنها تحتاج الى الترميم حتى تستعيد حيويتها».
ويؤكد رئيس قسم الفنون التشكيلية على: « ان ساحة التحرير تعد اكثر الاماكن ارتباطا بمفهوم الحرية والديمقراطية والثورات والوقوف بوجه كل انواع الفساد والاستبداد، اذ يستقطب الآخرين هذا النصب والآن اصبح ملك وطن ولم يعد خاصا بمدينة معينة بل يعبر عن جميع فئات الشعب العراقي وطبقاته الاجتماعية المختلفة، وهذا العمل ليس ملكا لدولة بل اصبح جزءا من ذاكرة الشعب وثقافته المجتمعية، وتجدر الاشارة الى ان  نظام الاشتغال والتكوين له كان بالنظام الاسطواني والانشاء مغلق يبدأ من اليمين وينتهي في الوسط ثم يبدأ من اليسار وينتهي في الوسط، كما ان الحركات التي شكلت المفردات ذات ايقاع متناوب ومختلف وذلك كسرا لرتابة نظام الختم الاسطواني، وكان الفنان يبغي ايجاد فضاءات مختلفة داخل هذا النصب كي يعطيه فسحة جمالية مثلا شكل المرأة والحصان والجندي يحضرون بخصوصيتهم».
في حين يجد المهندس والنحات وليد البدري بأن «هذا النصب يحتاج الى اعادة ترميم بشكل فعلي، وتفكيكه وتنفيذه من جديد اي اللافتة تصنع من الحديد او من الستنلستيل، ومنحه مساحة اوسع حتى يتمكن الجمهور من فهمه اكثر وتفكيك رموزه».

صدمة فنية

ويشير سلام ادور الى «ان هذا النصب في حينه كان يشكل صدمة حقيقية بالنسبة للمتلقين، بشكله الغريب الصادم، ولكنه يعد مغازلة للفن الثوري في المعسكر الاشتراكي آنذاك وهو يمثل من المنظور الجوي لافتة ترفعها الجماهير، لتؤكد رفضها للظلم والطغيان وايضا هو امتداد للانتفاضات الشعبية التي حصلت في البلاد والحدائق تمثل ارض السواد، اما على صعيد الارث التاريخي فقد جاء النصب المستطيل متناغما ومنسجما مع شكل طبعة الختم الاسطواني من حضارات العراق القديم «.
ويروي النحات البدري مفارقة طريفة اذ يقول:» حدثني الفنان محمد غني حكمت، ان الجماهير في وقت الاعداد والتحضير للنصب ووضعه في الساحة كانوا يظنون ان الفنان جواد سليم يضع حيوانات مائية (ضفادع) بسبب اللون الاخضر للمنحوتات، ولكن ما ان اكتمل العمل حتى انبهر الجميع به، وجعلوا من المكان مزارا لهم ولعوائلهم لقرب حديقة الامة منه التي تضم تمثالا متناغما مع اسم الحديقة والنصب ايضا».

رسائل مشفرة

وبينما هو يتطلع الى ساحة التحرير ونصب جواد سليم يروي الستيني كيف كان هذا المكان قبل ما يقارب الاربعين عاما بالقول: «كنت ازور هذا المكان برفقة والدي واخوتي، لم نكن في البداية ملمين برموز هذا النصب ولكن مع مرور الوقت فهمنا ان التشكيلي جواد سليم وضع وطنا مصغرا هنا في ساحة التحرير، التي تربط جانبي بغداد الكرخ والرصافة، وكان وسيبقى مصدر فخر لنا وللاجيال القادمة التي تطمح للحرية والديمقراطية
الحقيقية».
ويجد البدري: «ان الفنان غالبا ما يختار رموزه وفق رسائل معينة، يريد ايصالها للجمهور، قد تكون صريحة حينا وحينا آخر تكون مشفرة ولكنها في النهاية تهدف الى شيء مهم يريد ان يوصله الفنان للجمهور، وسليم اراد ان يؤكد ان الحرية والديمقراطية هي من حق الجميع، وسيظل الشعب العراقي يثور على الظلم والاستبداد بشكل مستمر، ولن يرضخ حتى ينال حقوقه بالكامل».

علق باستخدام فيسبوك

تعليقات