قلبي ليس ملكي

136 views0

بقلم: عبدالله يحيى
القلب من أكثر الأعضاء التي أذهلت العلماء واشغلتهم على مر الزمان وفي كل فترة من الفترات يكتشفون شيئاً جديداً في هذا الجزء العجيب من جسم الإنسان والذي يتعاون مع الدماغ في قيادة الجسد ، فمن غير المعقول أن يعيش إنسان من غير قلب .

هذا القلب موضع لشعور الإنسان فالحب بأنواعه محله القلب والكراهية والحقد محلها القلب وكذلك الحسد والخوف والقلق والحنان.. كل هذه العواطف محلها القلب.
 القلب مهم جداً للإنسان بل وللإنسانية جمعاء فهو أساس التعاون بين البشرية وهو أساس استمرار الحياة .. وما توحد قومٌ إلا بتوحد قلوبهم وما اجتمع الفرقاء إلا بعد أن تجتمع قلوبهم.
من علامات سلامة هذا القلب إدراكه لحقيقة هذا الكون الواسع وسر الوجود وان هناك خالقاً فمن غير المعقول أن يكون هناك موجود من غير موجد ومخلوق من غير خالق وبخلاف ذلك فان القلب أعمى بلا بصيرة حيث قال تعالى:( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) فالقلب الحي هو القلب الذي ينبض بحب الله تعالى ومعرفته.

والإيمان بالله عز وجل يستوجب حضور القلب وتصديقه بهذا الاعتقاد فمحله القلب ويختلف من شخص إلى آخر  ويزيد وينقص فليس له مستوى ثابت.

وان مما وصل إليه المسلمون اليوم من حال سيئة تمثلت بتفرقهم وضعفهم وتمزق صفهم وتهافتهم على الدنيا هي نتيجة طبيعية لاختلاف قلوبهم حيث انك ما إن تحل شيئاً في قلبك محل الله عز وجل حتى يتخلى الله عنك وتصيبك الذلة .

إن للقلب سراً لا تتمتع به بقية الأعضاء حيث انك إذا وقفت تصلي أمام الله عز وجل فانك تأمر جسدك بالتوجه إلى القبلة والانحناء والسجود وتأمر لسانك بالذكر ولكنك لا تستطيع أن تأمر قلبك بالخشوع فهذا بيد الله ، إذاً هذا هو سر القلوب أنها بيد الله يقلبها كيف يشاء فليس لنا عليها من سلطان ولكن النبيه والمتبصر هو الذي يراقب قلبه دوماً ليرى ما وصل به الحال ولذلك كان (صلى الله عليه وسلم) يكثر من دعاء: (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك).

في الصحيحين عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب).

للقلوب أحوال والقلوب أصناف حيث قسمها الإمام ابن القيم إلى ثلاثة أصناف في مقدمة كتابه (إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان) وهذا فيه دلالة على أهمية القلب في الحرز من الشيطان:
الصنف الأول: القلب الصحيح: هو القلب السليم الذي لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله به، كما قال تعالى:
(يومَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إلا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَليِمٍ) والسليم هو الذي قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه، ومن كل شبهة تعارض خبره. فسلم من عبودية ما سواه، وسلم من تحكيم غير رسوله.
فسلم في محبة غير الله معه ومن خوفه ورجائه والتوكل عليه، والإنابة إليه، والذل له، وإيثار مرضاته في كل حال والتباعد من سخطه بكل طريق. وهذا هو حقيقة العبودية التي لا تصلح إلا لله وحده. 

وهو الذي سلم من أن يكون لغير الله فيه شرك بوجه ما، بل قد خلصت عبوديته لله تعالى: إرادةً ومحبةً، وتوكلاً، وإنابةً، وإخباتاً، وخشيةً، ورجاءا ، وخلص عمله لله، فإن أحب أَحَبَّ في الله، وإن أبغض أبغض في الله، وإن أعطى أعطى لله، وإن منع منع لله وهذا يقوده إلى طريق النجاة والسعادة.

الصنف الثاني: القلب الميت: وهو ضد السليم وهو القلب الميت الذي لا حياة به، فهو لا يعرف ربه، ولا يعبده بأمره وما يحبه ويرضاه، بل هو واقف مع شهواته ولذاته؛ ولو كان فيها سخط ربه وغضبه، فهو لا يبالى إذا فاز بشهوته وحظه، رضي ربه أم سخط، فهو متعبد لغير الله: حباً، وخوفاً، ورجاءً، ورضاً، وسخطاً، وتعظيماً؛ وذلا .

إن أحب أحب لهواه، وإن أبغض أبغض لهواه، وإن أعطى أعطى لهواه، وإن منع منع لهواه ، فهواه آثر عنده وأحب إليه من رضا مولاه. فالهوى إمامه، والشهوة قائده، والجهل سائقه، والغفلة مركبه ، فهو بالفكر في تحصيل أغراضه الدنيوية مغمور، وبسكرة الهوى وحب العاجلة مخمور.

ينادى إلى الله وإلى الدار الآخرة من مكان بعيد، فلا يستجيب للناصح، ويتبع كل شيطان مريد. الدنيا تسخطه وترضيه. والهوى يصمه عما سوى الباطل ويعميه، فمخالطة صاحب هذا القلب سقم، ومعاشرته سم، ومجالسته هلاك.

الصنف الثالث: القلب المريض: وهو قلب له حياةٌ وبه علة؛ فله مادتان، تمده هذه مرة، وهذه أخرى، وهو لما غلب عليه منهما، ففيه من محبة الله تعالى والإيمان به والإخلاص له، والتوكل عليه: ما هو مادة حياته، وفيه من محبة الشهوات وإيثارها والحرص على تحصيلها، والحسد والكبر والعجب؛ وحب العلو والفساد في الأرض بالرياسة: ما هو مادة هلاكه وعطبه، وهو ممتحن بين داعيين: داع يدعوه إلى الله ورسوله والدار الآخرة، وداع يدعوه إلى العاجلة. وهو إنما يجيب أقربهما منه بابا، وأدناهما إليه جوارا.

ويبدو أن الصنف الأخير هو من أكثر الأصناف التي أصابت امتنا الإسلامية فنحن نرى كثيراً من الناس لا يتركون صلاةً ولا صوماً ولا فرضاً من الفرائض ولكن في قلوبهم أمراض ، كما أن قلوبهم مختلفة وإذا فتشت في قلب احدهم تجد فيه شيئاً من الحقد والحسد وشيئاً من الغرور وحب الذات وشيئاً من الجفاء والبعد عن الله ، هذا ما عدا إتباع الشهوات وحب الدنيا وهذا بالتأكيد سببٌ رئيس لتمزق الصف وتأخر المسلمين.

إن المسلم الواعي الذي يريد الاحتراز من الشيطان وألا يدع له كيداً عليه هو الذي يراقب قلبه دوماً ودائماً ويحاول أن يطهره من أمراضه وأحقاده وشركه ويخلصه من فتن الدنيا ويملأه بحب الله ومخافته والتوكل عليه والتوبة إليه ليحصل على السعادة في الدنيا والفوز في الآخرة وهذا غاية كل مؤمنٍ بالله وبالتأكيد الأمة التي تتوحد قلوبها يتوحد صفها وتحقق النصر في الأخير.

وأخيراً من أي صنفٍ قلبك؟ ، فإذا كان قلبك سليماً فزت وإذا كان ميتاً تعست وإذا كان مريضاً فعليك أن تراجع نفسك استعداداً لذلك اليوم: (يومَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إلا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَليِمٍ).

علق باستخدام فيسبوك

تعليقات