و عُرضوا على ربك

100 views0

  يومُ القيامة هو يوم الجزاء والحساب بين يدي أقوى وأعدل الحاكمين ربِّ العالمين تبارك وتعالى حيث لا ينفع الإنسانَ فيه إلا ماقدَّم من عمل صالح في دنياه ، وإنه ليومٌ عصيب شديد ، بيَّن الله للناس أهواله ومواقفه الرهيبة في آيات كثيرة من كتابه المبين ، وعلى لسان رسوله الصادق الأمين محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو يومٌ تنشق الأرض فيه ليخرج الناس من قبورهم سراعاً مهطعين خاضعين لجبار السموات والأرض ، ويُحشرون على أرض واحدة ملساء بيضاء لا شجر فيها ولا نبات تلتهب حصاها من شدة حرارة الشمس التي تدنو من رؤوس الخلائق مقدار ميل واحد ، ويقف البشر ينتظرون بدء الحساب وقد أخذ الرعب والخوف بمجامع قلوبهم ، وكادت الشمس أن تذيب رؤوسهم ، ثم يبدأ الحساب بعد أن يشفع رسول الله المصطفى صلى الله عليه وسلم عند ربه لتبدأ المحكمة العادلة .

وحين يأذن الله عز وجل ببدء الحساب يقف الناس جميعاً بين يديه صفوفاً صفوفاً يُعرضون عليه تبارك وتعالى حفاةً عراةً غرلاً (غيرَ مختونين) كما خُلقوا أول مرة ، وقد زال عنهم السلطان وفرغت أيديهم من الأموال ، وذهب الجاه والنفوذ ، وتخلَّى كلُّ خليل عن خليله ، كما جاء وصف ذلك في الكثير من آيات القرآن الكريم منها قوله تعالى في سورة الكهف : ( وعُرضوا على ربك صفاً لقد جئتمونا كما خلقناكم أولَ مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم موعداً ) .

والعرض على الله عز وجل يعني إظهار كشف كامل مفصل بالأعمال التي قام بها الإنسان في حياته التي قدرها الله له في الدنيا ، فلا يخفى منها شيء مهما كان صغيراً أو مستتراً كما يظن الناس ، وهذا ما أثبته ربنا في كتابه العزيز بقوله : ( يومئذٍ تُعرضون لا تخفى منكم خافية ) .

ثلاث عرضات يقفها الناس بين يدي رب العالمين يوم القيامة كما روي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال : ( يُعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات ، فعرضتان جدال ومعاذير .. ) ، عرضتان يجادل الناس فيها ربَّ العالمين ويقدمون حجج براءتهم ويحاولون التنصل مما كسبت أيديهم من الإثم والذنوب ، لكنها حجج واهية ساقطة قائمة على الكذب والخداع ويستحيل أن تنطلي على علام الغيوب سبحانه وتعالى ، كما يتراشقون التهم فيما بينهم ويلقي فريقٌ باللائمة على فريق معتذرين بذلك أمام الله أن سبب ضلالهم كان من وراء أولئك الذين أغووهم وفتنوهم ولم يكن من عند أنفسهم هم ، ولقد أبرز لنا البيان الرباني في القرآن الكريم صوراً عديدة عما يجري مع الناس في هاتين العرضتين ، قال تعالى : ( يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ) ، وقال سبحانه : ( يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون ) ، وقال عز وجل : ( إذ تبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتَّبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا كذلك يُريهم الله أعمالهم حسراتٍ عليهم وما هم بخارجين من النار ) .  

و هكذا تُعرض أعمال الناس على الله تبارك وتعالى عرضاً دقيقاً أميناً ، فيعترفون بها اعترافاً صريحاً بل تشهد عليها جلودهم وأيديهم وأرجلهم كما جاء ذلك في البيان الإلهي : ( وقالوا لجلودهم لمَ شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كلَّ شيء وهو خلقكم أولَ مرة وإليه تُرجعون ) ، ولقد حذرنا الناصح الأمين رسولنا الأعظم صلى الله عليه وسلم من دقة الحساب بين يدي ربنا عز وجل ، وأرشدنا إلى الاستعداد لتلك الساعة العصيبة بالعمل الصالح في هذه الدنيا فقال : ( والذي نفسي بيده ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان فينظر أيمنَ منه فلا يرى إلا ما قدم من عمل ، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم ، ويرى أمامه فإذا النارُ تلقاءَ وجهه ، فاتقوا النار ) ، وقال عليه الصلاة والسلام : ( اتقوا النار ولو بشق تمرة ) .

بعد تلك العرضتين تدخل العرضة الثالثة حين تتطاير صحائف الأعمال على أصحابها وفيها النتيجة الحاسمة فإما جنات النعيم والرضوان ، وإما جهنم ونار تتلظى والعياذ بالله تعالى كما قال صلى الله عليه وسلم : ( وأما العرضة الثالثة فعند ذلك تتطاير الصحف فآخذٌ بيمينه وآخذٌ بشماله ) .   

علق باستخدام فيسبوك

تعليقات