سورة التكاثر

115 views0

  فمن سور القرآن العظيم التي تَتَكَرَّرُ على أسماعنا، وتحتاج منا إلى تأمُّلٍ وتدبُّر: سورة التكاثر.

قال تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر: 1: 8].

قوله تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ}: قال ابن كثير: "يقول الله تعالى: أَشْغَلَكُم حبُّ الدنيا ونعيمها وزهرتها عن طلب الآخِرة وابتغائها، وتمادَى بكم ذلك حتى جاءكم الموت، وزُرْتُمُ المقابرَ، وصِرْتُم من أهلها".

عن مُطَرِّف، عن أبيه عبدالله بن الشِّخِّير – رضي الله عنهما –  قال: أتيتُ النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – وهو يقرأ: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ}، قال: ((يقول ابن آدم: مالي مالي، قال: وهل لك يا ابن آدم من مالِكَ إلا ما أكلتَ فأفْنَيْتَ، أو لبستَ فأبلَيْتَ، أو تصدَّقْتَ فأمضيْتَ؟!))، وفي روايةٍ له: ((وما سوى ذلك، فهو ذاهبٌ وتارِكه للناس".

وقوله: {حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ}: قال ابن القيم: "وجعل الغايةَ زيارة المقابر دون الموت، إيذانًا بأنهم غير مستبقَيْنَ ولا مستقرِّين في القبور، وأنهم بمنزلة الزَّائرين، يحضرونها مرةً ثم يظعنون عنها، كما كانوا في الدنيا كذلك زائرين لها غير مستقرِّين فيها، ودار القرار: هي الجنة أو النار".

وقوله: {كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ}؛ أي: ما هكذا ينبغي أن يلهيَكم التكاثر عن طاعة الله، وسوف تعلمون عاقبةَ تشاغُلِكم بالتكاثر، وكرَّر الجملة هنا لزيادة التأكيد؛ كما قال بعض المفسِّرين.

قال ابن القيم: "وقيل: ليس تأكيدًا؛ بل العِلْم الأوَّل عند المعاينة ونزول الموت، والعِلْم الثاني في القبر، وهذا قول الحسن، ومقاتل، ورواه عطاء عن ابن عباس".

وقوله: {كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ}؛ أي: لو تعلمون ما أمامكم علمًا يصل إلى القلوب، لَمَا ألهاكم التكاثر، ولَبادَرْتُم إلى الأعمال الصالحة، ولكن عدم العلم الحقيقي صيَّركم إلى ما تَرَوْنَ.

وقوله {لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ}: هذا قَسَمٌ من الله تعالى بأن عبادَهُ – مؤمنهم وكافرهم – سيشاهدون النار بأعينهم، ثم أكَّد هذا الخبر بأنه واقعٌ لا محالة، وأنهم سيكونون متيقِّنين برؤية النار يقينًا لا شَكَّ فيه، ولكن الله يُنجي المؤمنين منها، وقد جعل سبحانه رؤيتهم لها؛ ليعرفوا فضلَ الله عليهم بإنجائهم منها؛ قال تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا}  [مريم: 71 – 72].

وقوله: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ}؛ أي: ليسألَنَّكُمُ الله يوم القيام عن كلِّ نعمةٍ أنعم بها عليكم؛ كالأمن، والصحة، والسمع، والبصر، والعافية، وما يطعمه الإنسان ويشربه؛ هل قمتم بشكرها، وأَدَّيْتم حقَّ الله فيها، ولم تستعينوا بها على معاصيه، أم اغتررتم بها، ولم تقوموا بشكرها؛ فيعاقبكم على ذلك؟.

عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: خرج رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ذات يومٍ – أو ليلة – فإذا هو بأبي بكر وعمر؛ فقال: ((ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟!))؛ قالا: الجوع يا رسول الله، قال: ((وأنا – والذي نفسي بيده – لأخرجني الذي أخرجكما، قوموا))، فقاموا معه، فأتى رجلاً من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رَأَتْهُ المرأةُ قالت: مرحبًا وأهلاً، فقال لها رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: أين فلان؟ قالت: ذهب يستعذِب لنا من الماء، إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وصاحبَيْه، ثم قال: الحمد لله، ما أحدٌ اليوم أكرم أضيافًا مني، قال: فانطلق فجاءهم بعِذْقٍ فيه بُسْرٌ وتَمْرٌ ورُطَب، فقال: كلوا من هذه، وأخذ المُدْيَة، فقال له رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((إياك والحَلُوب))، فذبح لهم فأكلوا من الشَّاة، ومن ذلك العِذْق، وشربوا، فلما أن شبعوا ورووا، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لأبي بكر وعمر: ((والذي نفسي بيده، لَتُسْألُنَّ عن هذا النعيم يومَ القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوعُ، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم)).

قال النووي في شرح الحديث: "والسؤال هنا سؤالُ تَعْداد النِّعَم، وإعلامٍ بالامتنان بها، وإظهار الكرامة بإسباغها، لا سؤالَ توبيخٍ وتقريعٍ ومحاسبةٍ".

وأما بالنسبة للكفار، فإنه سؤال توبيخٍ وتقريعٍ ومحاسبةٍ؛ وعن أبي بَرْزَةَ الأَسْلَمي – رضي الله عنه -: أنَّ النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – قال: ((لا تزول قَدَما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره: فيمَ أفناه؟ وعن علمه: فيمَ فعل؟ وعن ماله: من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه؟ وعن جسمه: فيمَ أبلاه؟)).

وعن أبي هريرة – رضي الله عنه -: أنَّ النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – قال: ((إنَّ الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: ألم أُكْرِمْكَ؛ وأُسَوِّدْكَ[8]؛ وأُزَوِّجْكَ؛ وأُسَخِّر لك الخيلَ والإبلَ؛ وأَذَرْكَ تَرْأَسُ وتُرْبِعُ؟ فيقول: بلى، فيقول: أفظنَنْتَ أنَّك ملاقيَّ؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أنساك كما نسيتني)).

وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((إنَّ أوَّل ما يحاسَب به العبد يوم القيامة أن يُقال له: ألم أُصِحَّ لك جسمكَ، وأُرْوِكَ من الماء البارد؟))[10].

قال ابن القيِّم: "فلله، ما أعظمها من سورة، وأجلَّها وأعظمها فائدةً، وأبلغها موعظةً وتحذيرًا، وأشدَّها ترغيبًا في الآخِرة، وتزهيدًا في الدُّنيا، على غاية اختصارها وجزالة ألفاظها، وحُسْن نظمها، فتبارَك مَنْ تكلَّم بها حقًّا، وبلَّغها رسولُه عنه وَحْيًا". اهـ.

 

علق باستخدام فيسبوك

تعليقات