الزوجة العربية

24 views0

  

                            علي الطنطاوي   (بتصرف)                                                        قال لي صديق، معروف بجمود الفكر :
أتكتب عن زوجك و تقول إنها من أعقل النساء وأفضلهن؟ هل سمعت أن أحداً كتب عن زوجه؟ إن العرب كانوا يتحاشون التصريح بذكرها، وكذلك العهد بآبائنا ومشايخ أهلنا. لم يكن يقول أحد منهم: زوجتي؛ بل كان يقول: أهل البيت وأم الأولاد، والجماعة، والأسرة، وأمثال هذه الكنايات. أفترغب عن هذا كله، وتدع ما يعرف الناس،وتأتى ما ينكرون؟

قلت: نعم …أكتب عن زوجتي فأين العيب في ذلك؟ ولماذا يكتب المحب عن الحبيبة وهي زوج بالحرام، ولا يكتب الزوج عن المرأة وهي حبيبته بالحلال؟ ولماذا لا أذكر الحق من مزاياها لأرغب الناس في الزواج. والعاشق يصف الباطل من محاسن العشيقة فيحبب المعصية إلى الناس؟ إن الناس يقرؤون كل يوم المقالات في مآسي الزواج وشروره، فلم لا يقرؤون مقالة واحدة في نعمه وخيراته؟
    إنني لم أسمع زوجاً يقول إنه مستريح سعيد، وإن كان في حقيقته سعيداً مستريحا، لأن الإنسان خلق كفورا، لا يدرك حقائق النعم إلا بعد زوالها ؛ لذلك يشكو الأزواج أبدا نساءهم، ولا يشكر أحدهم المرأة إلا إذا ماتت، وانقطع حبله منها وأمله فيها؛ هنالك يذكر حسناتها، ويعرف فضائلها. أما أنا فإني أقول من الآن – تحدثا بنعم الله وإقراراً بفضله – إني سعيد في زواجي وإني مستريح. 
طريق الوصول الى السعادة الزوجية
أولها: أني لم أخطب إلى قوم لا أعرفهم، و لا صلة بيني وبينهم.. فينكشف لي بالمخالطة خلاف ما سمعت عنهم، وإنما تزوجت من أقرباء عرفتهم وعرفوني، واطلعت على حياتهم في بيتهم واطلعوا على حياتي في بيتي. إذ رب رجل يشهد له الناس بأنه أفكَهُ الناس، وأنه زينة المجالس ، وهو في بيته أثقل الثقلاء. ورب سَمْح ٍ هو في أهله سَمْج، وكريم هو في أسرته بخيل.
والثاني: أني اخترتها من طبقة مثل طبقتنا، وهذا هو الركن الوثيق في صرح السعادة الزوجية، ومن أجله شرط فقهاء الحنفية الكفاءة بين الزوجين. 
والثالث: أني انتقيتها متعلمة تعليماً عادياً، شيئاً تستطيع به أن تقرأ وتكتب، وتمتاز من العاميات الجاهلات، وقد استطاعت الآن بعد ثلاثة عشر عاماً في صحبتي أن تكون على درجةعالية من الفهم والإدراك، وتذوق ما تقرأ من الكتب والمجلات، لا تبلغها  المتعلمات.
والرابع: أني لم أبتغ الجمال وأجعله هو الشرط اللازم لعلمي أن الجمال ظل زائل؛ لا يذهب جمال الجميلة، ولكن يذهب شعورك به، وانتباهك إليه.
والخامس: أن صلتي بأهل المرأة لم يجاوز الصلة الرسمية: الود والاحترام المتبادل،  ولم أجد من أهلها ما يجد الأزواج من الأحماء من التدخل في شؤونهم، وفرض الرأي عليهم، ولقد كنا نرضى ونسخط، فما دخل أحد منهم يوما في رضانا ولا سخطنا. 
ولقد نظرت إلى اليوم في أكثر من عشرين ألف قضية خلاف زوجي، وأستطيع أن أؤكد القول بأنه لو ترك الزوجان المختلفان، ولم يدخل بينهما أحد، لانتهت بالمصالحة ثلاثة أرباع قضايا الزواج.
والسادس: أننا لم نجعل بداية أيامنا عسلا، ثم يكون باقي العمر حنظلا مرا وسما زعافا، بل أريتها من أول يوم أسوأ ما عندي، حتى إذا قبلت به وصبرت عليه، عدت أريها من حسن خلقي، فصرنا كلما زادت حياتنا الزوجية يوما زادت سعادتنا قيراطا. 
والسابع: أنها لم تدخل جِهازا، وقد اشترطت هذا لأني رأيت أن الجهاز من أوسع أبواب الخلاف بين الأزواج، فإما أن يستعمله الرجل ويستأثر به فيذوب قلبها خوفاً عليه، أو أن تشعر أنها مستغنية به عن زوجها متعالية عليه. 
والثامن: أني لم أتدخل في شؤونها من ترتيب الدار وتربية الأولاد؛ ولم تتدخل هي فيما هو لي من الإشراف والتوجيه، وكثيراً ما يكون سبب الخلاف أن تأخذ المرأة مكان الزوج ، أو يأخذ هو مكان المرأة ومشاركتها الرأي في طريقة كنس الدار، وأسلوب تقطيع الباذنجان، ونمط تفصيل الثوب. 
والتاسع: أني لا أكتمها أمراً ولا تكتمني، ولا أكذب عليها ولا تكذبني، وتعود أولادنا الصدق والصراحة، واستنكار الكذب والاشمئزاز منه. ولست والله أطلب من الإخلاص والعقل والتدبير أكثر مما أجده عندها. فهي من النساء الشرقيات اللائى يعشن للبيت لا لأنفسهن ؛تجوع لنأكل نحن، وتسهر لننام، وتتعب لنستريح. هي أول أهل الدار قياماً، وأخرهم مناماً، لا تني تنظف وتخيط وتسعى وتدبر، همها إراحتي وإسعادي. إن كنت أكتب، أو كنت نائماً أسكتت الأولاد، وسكنت الدار، وأبعدت عنى كل منغص أو مزعج. إن حرص النساء على رضا الناس كان حرصها على إرضائي. وإن كان مناهن حلية أو كسوة فإن أكبر مناها أن تكون لنا دار نملكها نستغني بها عن بيوت الكراء. 
تحب أهلي، ولا تفتأ تنقل إلى كل خير عنهم. إن قصرت في بر أحد منهم دفعتني، وإن نسيت ذكرتني. إنها النموذج الكامل للمرأة الشرقية، التي لا تعرف في دنياها إلا زوجها وبيتها، والتي يزهد بعض الشباب فيها، فيذهبون إلى أوربة أو أميركة ليجيئوا بالعلم فلا يجيئون إلا بورقة في اليد وامرأة تحت الإبط، إمرأة لا يكون لها من الجمال ولا من الشرف ولا من الإخلاص ما يجعلها تصلح خادمة للمرأة الشرقية؛ ولكنه فساد الأذواق،وفقد العقول، واستشعار الصغار،وتقليد الضعيف للقوى.
إن نساءنا خير نساء الأرض، وإني ما ذكرت بعض الحق من مزايا زوجتي إلا لأضرب المثل من نفسي على السعادة التي يلقاها زوج المرأة العربية المسلمة، لعل الله يلهم أحدا من عزاب القراء العزم على الزواج فيكون الله قد هدى بي، بعد أن هداني

علق باستخدام فيسبوك

تعليقات