الأزمة المالية العالمية بين عولمة اللغة وحتمية تداعيات عولمة المادة

99 views0

 بقلم: علاء الدين المدرس

1-   إن الانفعال الثقافي والحضاري في حياة المجتمعات هو حتمية تاريخية، لا تظهر إلا بعد انهيار الطابع الإمبراطوري العام في عموم الأرض، سواء أكان ذلك بقطب واحد أم قطبين متصارعين، كما كان عليه الأمر قبل ظهور الإسلام وحالة صراع القطبين بين الروم والفرس خلال الألفية الأولى بعد الميلاد، وهو كما يبدو من الألفيات التوحيدية في مسار الزمن البشري المتتابع بين التوحيد والتعددية عبر التاريخ، بافتراض أن الألفية الثانية كانت تعددية بكل المقاييس، كما هو معروف ومتفق عليه بين الفلاسفة والمفكرين. إن هذه المرحلة الجديدة – كانفعال حضاري عام –  نجد أن عوامل انبثاقها الحتمي، قد بدأ مع الطابع التوحيدي للألفية الثالثة، التي نعيش مطلعها التوحيدي سواء الديني أو السياسي أو الاقتصادي، والمتمثل بظاهرة الاتحاد الأوربي، وسقوط التوحيد الطبقي في الاتحاد السوفيتي السابق لصالح وحدة التكوين الديني والقومي لجمهوريات هذا الاتحاد، وكذلك ظهور العولمة الرأسمالية كمحاولة توحيد اقتصادي، وهي ستفشل حتماً – مثل التوحيد الطبقي – أمام تبلور ونهوض الخصوصيات المحلية للأمم والشعوب، باكتمال عوامل وحدتها الثقافية والحضارية والأخلاقية، وبسبب تصادمها مع الهوية والخصوصية القومية والدينية لهذه الأمم والشعوب، التي لابد أن ترفض منهج التمييع الثقافي والتذويب الرقمي والحضاري الممثل بثقافة الأمركة التي هي رديف العولمة الحالية.

2-   إن القانون الحضاري العام الذي يحتم ضرورة انتشار لغة حية راقية، تلبي شروط هذه المرحلة ومتطلباتها الجمالية والثقافية، يبدو لنا واضحاً، وهو يتجه بشكل غائي وحتمي نحو العربية لغة القرآن، في إطار مشروع توحيدي آخر معلن عنه بصراحة من قبل الخصم الحضاري، وهو مشروع الشرق الأوسط الكبير (أو مشروع عولمة العالم الإسلامي)، الذي سيبدأ مشروعاً اقتصادياً معولماً!!.. لكنه سينتهي حتماً ويستقر في نهاية المطاف على وفق النشاط الدعوي للإسلام المؤسس على قواعد حضارة القرآن، والذي طالما احتضن الحضارات السابقة أو الغازية، محتوياً لها ومذيباً حتمياً لتراث الغلو والشطط في شخصيتها الريادية العدوانية المهيمنة، ومحولاً لها إلى حضارة تابعة ومفتخرة بانتمائها الإسلامي، ومعبرة عن تاريخ الحضارة القرآنية، رغم احتفاضها ببعض الخصوصيات والثقافات الملازمة لتلك الشعوب، والتي يسمح بها الإسلام بطبيعته الحضارية المنفتحة على الحضارات والثقافات المختلفة، حين لا تتعارض مع عقيدة التوحيد التي جاء بها، كما حصل مع الروم والفرس والمغول والعثمانيين وغيرهم من الأمم الغالبة والمغلوبة في تاريخ الإسلام. وهو – أي الإسلام – الملبي بأصوله لجميع حقوق الخصوصيات الدينية والقومية، بالمواثيق المسالمة التي ظهر بها أولاً، وقبل هذا المستقر التاريخي السلمي. ولذلك فمن الطبيعي في ظل العولمة المادية أن تندفع مراكز المال المعولم في أعمال عدائية شائنة، وفق سيناريو مفترض يستند إلى تمويل العنف المحلي المركب للحصول على مزيد من الاستياء العام، ضد مرحلة نهوض هذه الخصوصيات، التي لها ارتباط بالهوية الوطنية والقومية والدينية، والتي يفترض أن تبقى ملتزمة بأخلاق الحوار واللاعنف، إلا من فئات قليلة يسوقها الجهل أو التعصب، وهي عادة ما تكون من صناعة العنف المركب المدبر عولمياً، بقصد محاربة هذه الخصوصيات بأدواتها المتطرفة، وهو شكل من أشكال الجريمة المنظمة التي غالباً ما تقصد عامة الناس في مجمعاتهم اليومية، أو ضد رموزهم الدينية والقومية والعلمية وضد المساجد والكنائس والمعابد بكل صنوفها، كما حصل في العراق بعد الاحتلال وفي مناطق أخرى مماثلة لظرفه الاستثنائي..

3-   إن الجهاد الحقيقي بطبيعته الربانية هو جهاد عفيف وحكيم، ولا ينال الناس في حياتهم المدنية، فالمجاهد بطبيعته الأخلاقية والرسالية يحكم التسديد جيداً. ويمكننا أن نستفيد في تحليل هذا التنبؤ السياسي من رؤى علماء الأخلاق المسلمين، فالخير عندهم واحد والشر متعدد، ومنهم الإمام أبو حامد الغزالي في مصنفه (احياء علوم الدين) والشيخ المرحوم أبو ذر النراقي، وهو من علماء الأخلاق المتأخرين في مصنفه الموسوم (جامع السعادات)، فهو يرسم لنا هذه القاعدة الأخلاقية برمز هندسي يضع فيه الخير في مركز الدائرة، ويضع الشر بكل تعددياته على محيط الدائرة، فالأخلاق عنده هي: قدرة الإنسان على التسديد في مركز الدائرة، والتسديد هو جهاد قتالي وأخلاقي ومعرفي غير قابل للانحراف أو الرماية الطائشة، كذلك يمكن تطبيق مفهوم النراقي حول عفة وحكمة الجهاد الأصيل على مفهوم إرادة التغيير وضرورة تمحورها حول محور التوحيد الديني، من دون انحراف إلى محور الإفراط أو محور التفريط كما هو مقر بداهة.. إن الإشكال الثقافي والحضاري يكمن في فوضى التقييم والتقويم في مسار حياتنا الدنيا، وهو ما يمكن تحديده في فكرة مفادها أن الثبات على تسديد الخطى لا يستقيم إلا بإرادة التغيير الملتزم بالتوحيد والدعوة المسالمة للخير، إزاء واقع تاريخي قديم، يمتلئ بالشر والضلال من كل جانب في حياتنا اليومية، والتوحيد لا يمكن أن يكون بالعنف وردود الأفعال، بل هي طاعة تامة لله ورسوله واستجابة مؤمنة وواعية بالبيان العربي المبين والتأسيس عليه لغةً وعقيدةً. فالعالم لن ينهض بحركة مستقرة راشدة إلا بوجود محور واحد، أصبح اليوم كل العالم بحاجة إليه، بعد سقوط محور المدنية الأوربية المادية التي عبثت في الأرض وأباحت كل محرم طيلة خمسة قرون مضت. تلك هي من حتميات الألفية الثالثة، ومن دون هذا الخيار، فإن الفوضى لن يطول استخدامها لتجنب هذا المصير. إن مستوى الوعي وتوفر وسائل الإعلام واتساع حجم الاتصال، هي تقانة مساعدة للإنسان المعاصر، تساعده في توطيد الوعي بحقائق الأمور، ولابد أن نرفع الغطاء عن كل التشكيلات الكاذبة في حياتنا اليومية والعامة، ولن نستبعد أن تنهض هذه الحركة الوحدوية والأخلاقية في قلب المراكز العالمية الكبرى لمدنية الغرب!!.. فهي – بأوطانها وشعوبها – قد دفعت الثمن الأعظم من جراء هذه الفوضى (الخلاقة) على مدى دورة الألفية الثانية برمتها، عبر سلسلة حروب وصراعات دموية وقتل بربري راح ضحيتها الملايين من الناس الأبرياء في الغرب نفسه باسم الفوضى الخلاقة.. والاستعمار والهيمنة ومحاولات البحث عن الثروة والأسواق وغيرها مما نزعت اليه حضارة الغرب منذ عصر النهضة حتى اليوم.

4-    إن منطق الواقع بقواعده وقوانينه ومسلماته قد لا يتقبل بسهولة هذا التنبؤ الطموح، وعندما لا تكون الأطروحة واقعية فإنها عادة توصم وبسهولة ودون تردد بالمثالية أو النظرية غير قابلة للتطبيق، حتى أصبحت المثالية (أو نظرية المؤامرة أحياناً أخرى) سبة على من يلتزم بها أو من يسير على منهجها، فهي الاستثناء، أما الواقع الفاسد فهو القاعدة السائدة في التفسير وصناعة الفكر والنظريات بالعقل المحض المتجرد عن الأخلاق، أو في البحث الدائم عن مسوغات عقلية لكي يبرر الانسان انحرافه عن المبادئ الانسانية الفطرية الأصيلة، لمصالح مادية ودنيوية لا يجد غير طريق الانحراف سبيلاً للحفاظ عليها أو تنميتها.. وعندما تبدأ عوامل التوحيد في الألفية الثالثة فعلها وتأخذ دورها الغالب، فان مثل هذه المصالح المادية البحتة لن تجد لها فرصة الحفظ والتنمية إلا بسلوك السبيل السليم.. واننا نلمس بوادر ذلك التوجه الأخلاقي في عموم الأرض وإن كانت بنطاق محدود مطلع هذه الألفية، إلا إنها ستكون – حتماً – الطابع الغالب بعد حين. إنها الآن شروخ واضحة في النظام الفاسد الذي بدأ بالانهيار، إنها منهج جدلي وحتمي سوف يضطر الجميع إلى إتباعه عندما يجدون مصلحتهم تتجسد فيه، حتى لو لم يؤمنوا عقائدياً بأصوله الدينية، وكمثال على ذلك كبح استهلاك المظهر ونزعة الانتاج الاسهلاكي، بإتباع نظرية الكافات الثلاث المستمدة من تعاليم القرآن ونهج النبي وجيل النبوة الأول، وهي الكفاف والكفاية والتكافل، أو بناء الثقة بكل صنوفها المعروفة والمؤثرة في الواقع الثقافي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي على مستوى العالم وليس الفرد فحسب. وكذلك ضرورة غرس الثقة في النظام التربوي الاجتماعي من أجل استقرار أسواق المال في الأزمة المالية الحالية على سبيل المثال، أو كبح جماح الأزمات الدورية والركود والكساد في النظام الرأسمالي، أو حتى السير في المنهج اللاربوي والتوجه إلى الاقتصاد الإسلامي الحقيقي والابتعاد عن المضاربات في أسواق المال، أي أن الإصلاح سيبدأ حيث إدارة المال والعمل والتقانة لكي يجد مرجعيته فيما بعد في الزمن السايكولوجي، الراجع حتما نحو "التوحيد والأخلاق" التي تتقدم أي نشاط تجاري أو سياسي أو اجتماعي في حضارة القرآن ومستطرته التي لا تخطئ.

5-   هناك حقيقة نحن نقف اليوم على أعتاب سوحها وضفافها المتشكلة مع الزمن مفادها: إننا نتقدم اليوم حثيثاً – وأكثر من أي عصر مضى – إلى عصر التوحيد في مرحلة التدين الثانية، كما تنبأ بها الفيلسوف الألماني شبنغلر في كتابه الشهير (سقوط الحضارة الغربية) في ثلاثينيات القرن الماضي، حيث كان الغرب في أوج عزّه وقوّته وازدهاره.. وان الخطوة الأولى في مثل هذا التنبؤ الافتراضي المعزز بالدليل الفلسفي والعمق التاريخي، يمكن افتراضها وفق أسباب تحليلية منطقية لا سبيل الى الولوج فيها الآن، تكمن في توحيد مياه بلاد الرافدين وبادية الشام والجزيرة، وفي انتشار دعوي عبر مسارات عولمية فريدة، سوف لن يقل تأثيرها ودفقها عن عصر الفتوحات الإسلامية في مرحلة التدين الأولى.. وان أول اشتراطات ذلك النهوض والتحول الى موقع المركز الأول عالمياً، هي تلقين فصاحة العربية وسليقتها للطفل العربي المسلم، في وقت مبكر جداً، يتسق مع بداية حياة الانسان ومنذ اليوم الأول لولادته. لقد دفعت أرض المشرق العربي  ثمن مقدمات هذا التنبؤ بالدم لملايين من أطفاله وشبابه، وإن المقابل لذلك سوف لن يكون إلا بإسقاط الجبابرة الذين اقترفوا جرائم الاحتلال والتقسيم والتدمير المتعمد لبنيته التحتية وثروته البشرية الأصيلة.. الاشتراطات الأخرى لهذا التنبؤ الافتراضي، هي وازع العمل الجماعي المنظم، وتكامل التكوين بين ثلاثة أنماط معاشة في الواقع وعلى ضفاف النهرين وأرض البادية ومنذ أكثر من عشرة الآلاف سنة وحتى الآن، هي البادية أولاً، والريف ثانياً والمدينة ثالثاً. مما لا يتوفر مثيل لها في كثير من دول العالم. إن التماثل بين مرحلة التدين الأولى، وهي عهد الدعوة والفتوحات الإسلامية-  مع مرحلة التدين الثانية المقبلة – يدعونا إلى توقع لغوي مهم، وهو توقع النهوض المجتمعي لإنشاء فصاحة العربية وسليقتها لهدفين هما: اكتساح اللهجات العربية، كما حصل عملياً في أثناء الفتوحات والتحرير الإسلامي لمشرق العرب ومغربهم، وسيادة عربية وسط الجزيرة العربية – القرشية – والهدف الثاني هو انتشار تعليم واستخدام العربية الفصحى بين الدول الإسلامية المتعاضدة في مشروع اقتصادي واحد في الإقليم الواحد.

6-          إن تلقي الطفل المسلم غير العربي للعربية هو أيسر بكثير من تلقي الطفل العربي لها، لسبب بسيط وهو قرب اللهجات المحلية العربية إلى اللغة العربية الفصحى، مما يشكل تأثيراُ سلبياً ومشوشاً للتلقي الفصيح، تماماً كما يحدث في تلقي البث اللاسلكي على قناة واحدة، فالمشترك المتقارب لغوياً يمثل عاملاً مفسداً إزاء وحدة التلقي غير المتداخل.

إن عاملي وحدة الدين والتجارة في إقليم ثقافي واحد سوف يرفع من مستوى وحدة التواصل اللغوي والأدبي والثقافي، ويساعد هذا التواصل حالة السقوط الحتمي لثقافة العولمة المادية، المنحدرة إلى سقوط أكيد في درك فاسد، إذا لم تجد طريق صلاحها على محور التوحيد والإستقامة. إن قيم التجارة الإسلامية تستند على الكفاف والكفاية والتكافل، هذه الكافات الثلاثة تكف وتكبح كل مساوئ العولمة الغربية وتداعياتها، التي وجدت في دول الشرق الآسيوي مركزاً جديداً لاستمرارها، لتمنع عامل سقوطها الحتمي أيضاً، كمصير مماثل لما يحصل في الغرب الأوربي والأمريكي. إن الكافات الإسلامية الثلاثة تنبع حتماً من القيم الأخلاقية والثقافية واللغوية في موضع التماسك الاجتماعي والثقافي العربي وحضارة القرآن.

7-   نلاحظ في هذا العرض البسيط للصلة بين الثقة كصفة أخلاقية وبين الاقتصاد، ونرى جلياً كيف استفاد سوق المال والاستثمار والتجارة من مفردة "الثقة" التي تسبق هذا النشاط الاقتصادي من حيث الأسبقية الزمنية وترتيب الأهمية، والثقة من ضمن المفاهيم التربوية المتعلقة بالتنظيم الانفعالي وموضوعة السجايا عند الإنسان، أي إن الحياة الثقافية تتقدم على النشاط الإنتاجي والحياة المادية، وهي من الوحي المنزل قرآناً وسنة، وهما المحددان لشروط وأدب المعاملات الاقتصادية، وإننا لا نلمس هذا الترتيب إلا بعد وقوع كوارث المال والتجارة والمضاربات في سوق المال، مثل الركود والكساد وحالات الافلاس والانهيار الاقتصادي لكبار الملاك والرأسماليين، فالحديث عادة يتركز حول أسباب محددة من قبيل عدم الثقة أو عدم التكافل، والإسراف في استهلاك المظهر، والرعب والخوف والقلق وغيرها من متجانسات ذمائم الأخلاق عموماً. مما تقدم، لا بد لنا من المفاضلة بين عولمة الاقتصاد وعولمة الثقافة وأدواتها ووسائلها اللغوية والأدبية والفنون الجمالية وجملة القيم الأخلاقية الفاضلة فيها، عالمان لا نملك إلا أن تتكامل الحاجة اليهما معاً.. ولكن على وفق معايير الأسبقية الزمنية، وترتيب الأهمية، ومرجعيتهما الدائمة إلى عقيدة التوحيد الديني والوحدة القومية، من دون تعسف أو استتباع. إن غلبة المعايير المادية والتجارية سوف تفسد عولمة اللغة والثقافة إلى درك هابط ومنحرف وتافه، لابد أن يشعر فيه الجميع في قابل الأيام والسنين ونحن نجوب عالم العولمة الحالية..

8-          إن هذا التنبؤ المستقبلي يواجه جملة اعتراضات لا يمكن أن نقلل من أهميتها، بل نعتبرها من عوامل مقاومة التغيير لدى الآخر وأشدها عقلانية ومنطقاً واقعياً، يشد بطبيعته إلى عوامل الحاضر الذي اعتدنا على ملماته وضغوطاته الكاذبة والمصنعة بتدبير يمتد بمنهجه الغربي لخمسة قرون مضت، وهي القرون التي جسدت العصور الغربية الخمسة الحديثة منذ القرن السادس عشر تقريباً، وهي تباعاً البرتغالية والاسبانية والفرنسية والانكليزية وأخيراً الأمريكية في عصر العولمة الحالي. وهي عوامل ضاغطة على الذهن الرتيب الغافل، وهي من الخطورة بمكان في حالة التقليل من تأثيراتها المستقبلية على إرادة التغيير المستقل.

وفي هذه الحالة علينا أن نلتقط آخر الأبحاث الاجتماعية واللغوية في الغرب ذاته، فهم قد اكتشفوا في وقت متأخر عوامل ضعف التواصل الاجتماعي واللغوي في الصعيد الزماني والمكاني في آن واحد.. فالأبناء لا يتحدثون لغوياً بنفس القواعد والمفردات التي كان أجدادهم يلتزمون بها، ومكانياً في مستوى المجتمع المحلي، تضعف إلى حد خطر كل الأواصر الاجتماعية في الجوار، وهو أنموذج شاع في المجتمع الهجين في أمريكا، وانتقل مؤخراً لكي يفكك مثل تلك الأواصر في ما يعرف بأوربا القديمة. ان هذه المعايير والظواهر الجديدة يمكن أن نعالجها بنفس القواعد الفكرية للغرب، التي تركز على تأثير العامل الاقتصادي وتشكيل القيم الاجتماعية، فالانهيارات الاقتصادية – على وفق منطقهم – تؤدي حتماً إلى انهيارات اجتماعية، وتفكك المجتمع، وتحطم أواصره اللغوية والثقافية. ورغم اعتراضنا النظري والعملي على تقديم العامل الاقتصادي على العامل الاجتماعي، لكنها قوانينهم وقواعدهم التي أسسوا عليها نظامهم العام.

9-      وفي موضوعة أخرى تميز بها العرب عن غيرهم هي موضوعة الشعر العربي، فالشعر ديوان العرب، ويتقدم الشعر على النثر في ترتيب مواضع الرمز العربي الشامل. فالتكوين الشعري ثنائي بتتابعه المنظم بين السكون والحركات بما يسمى الوزن أو التنتنة، بينما النثر يتحرك على ثلاثة أبعاد حركية هي الرفع والخفظ والنصب.. والثنائي يتقدم على الثلاثي بحسب معايير الأسبقية. أي أن الشعر يتقدم على النثر، باستثناء نص القرآن الكريم، فهو ليس بالشعر ولا بالنثر، فالسر في بيانه وإعجازه، مما عرفنا أو لم نعرفها حتى الآن، فهو وحي من الله تعالى كغيره من متجانسات التوحيد. وهي من الأمور الإيمانية التي نركن إليها، ونشعر بها، ونتكيف لجبلتها، فهي من خلق الله وأسرار حكمته التي يودعها عند بعض الناس، كما هي معروفة في المواهب والاستعدادات العديدة في نظريات القيادة والريادة وسماتها الفردية والملكات الدماغية، التي هي من المتجانسات الدائرة في فضاء التوحيد أيضاً. إن تقديم الشعر العربي على النثر الأدبي والعلمي له خصوصية تكوينية جوهرية في حياة العربي، فقد يكمن الإبداع الشعري في النمط المعاشي المدني، أو تغلب عليه الصناعة الخالية من الروح، لكنه يبقى كامناً في الوجدان العربي لكي ينهض في مرحلة التدين الثانية، أو في مقدماتها كمثل هذه الأيام المفعمة بالانفعال، والمتوثبة من أجل التغيير.

إننا نلاحظ بروز نماذج إبداعية في النمط المدني، هؤلاء الشعراء لم يتمكنوا من سن الشعر إلا بعد مثابرة وجهد طويل قضوه في حفظ الشعر الجاهلي.. وهم عملياً عاشوا فطرة البادية، وإن كانت البادية بعيدة عنهم زمانياً ومكانياً.. فكم حفظ الجواهري وكم حفظ عبد الرزاق عبد الواحد وقبلهما شوقي وحافظ إبراهيم، إنها عشرات الألوف من الأبيات، فهما من زمان غير زمانناً عملياً.. زمان أخذ من روح البادية مصدر قوته وتمكن بامتياز من التقدم على المنجزات المادية للمدينة.

10-   وهناك مسألة أخرى مثيرة للجدل في أيامنا هذه، كيف يتقدم الشعر على النثر العلمي الفاحص للأشياء والباحث عن التقدم؟.. وهل تخلف المسلمون بسبب لهوهم بالشعر وصناعة الكلام من دون العلم والعمل؟!.. ولنفرض جدلاً لو كان الأمر غير ذلك، واستخدم أمراء الأندلس اللغم البحري الذي صنعوه، والمدفع بقوة انفجار البارود الذي كان معروفاً لديهم، لكانت قنبلة هيروشيما وناكازاكي عربية النسب وإسلامية الهوية، ولكانت عولمة اليابان التي بدأت بها الطمغة الدولية التجارية الصناعية المالية منذ عام 1880 هي فعل إسلامي شائن.. يترتب عليه كل الاتجاهات السياسية والمالية والعلمية والتقنية، وما آلت إليه الأمور من فسق وفجور وتعسف وانهيارات مالية، لا قيامة لها بعد هذا التاريخ الذي نعايشه هذه الأيام..

إن الأمور بمقدماتها، فالقرون الخمسة الماضية انتهت بالغرب الأوربي والأمركة، وكل من نهج على منهاجهم في كل أرجاء العالم إلى مدنية مجرمة، حطمت وأبادت ولوثت كل شيء وسلبت كل شيء، فهي في المعيار الرمزي الشامل اتجاهات "سلبية التوجه" وخطوط تعددية لا نهائية.. واللا نهائي لا بد أن ينتهي إلى العدم على وفق تنبؤ الفيلسوف الألماني شبنغلر.

11-   يمكننا تصور الشكل الرمزي لحركة البندول المعروفة في حالتين، إن كانت الكرة الحديدية متجهة للخارج، فإنها ترسم في السلك شكلاً سلبياً في تحدبه، وإذا كانت الكرة راجعة إلى منتصف القبة، فإنها ترسم في السلك شكلاً ايجابي التحدب، وهي حركة كونية يتحول فيها البندول من طور إلى آخر على محيط الدائرة في أرضية القبة، بما يحدد لنا حركة الأرض حول نفسها.. إنها قوانين الحركة الطبيعية، لكنها في معايير الرمز الشامل هي معايير أخلاقية في الوقت نفسه، وهي تكشف لنا ببساطة قيام الأمم وأسباب انهيارها، فالقانون الطبيعي والقانون الاجتماعي واحد في هذا الرمز الهندسي – الذي ليس المجال هنا للتفصيل فيه – ولا يختلفان إلا بما يتعلق بهامش الإرادة البشرية التي كرّمنا بها الله سبحانه ودعانا فيها إلى التزام التوسط وطلب الهداية في محور الوحدة والتوحيد والاستقامة.

12-   إننا – في عالمنا العربي – ينبغي أن نثق بالمستقبل، ونجد في النظرة الشاملة والمجال الحيوي الموحد للكون والحياة ضالتنا في تصور فلسفي منهجي بسيط وممتنع عن الخطأ. وهو يعد خلاصة لما قدمه العرب قبل الإسلام وبعده، منذ عصر ابراهيم وحتى عصر الرسالة الخاتمة، ويكفي دليلاً على قدم المشرق العربي في البناء الحضاري العريق، الاستدلال بشواهد بارزة في التاريخ الإسلامي دولاً وإمبراطوريات، وأنموذجا اقتصادياً، سيتقدم العالم إلى تحقيقه في العقود المقبلة رغبة أو اضطراراً. هذه الشواهد تؤكد عربية التوجه لغة وحضارة وإسلاماً، فمن غادر العربية وهو مسلم، قد ينتهي إلى أمر غير مستحب، فلا يستكمل المسلم إسلامه إلا بالعربية، حكماً وشرعاً وقضاء. فالانتماء للغة القرآن هو انتماء حضاري لمن اشترك مع المسلمين في التاريخ والتراث المشترك من أهل الكتاب السابقين لرسالة القرآن، وهو انتماء ديني للأقوام المسلمة غير العربية كالفرس والترك والكرد والهنود وغيرهم. فهي- أي لغة القرآن – من الرحمة المهداة وهي لغة أهل الجنة، وأمل كل طالب وذاكر. انها بحق بيان عربي مبين، وخطاب أممي وبلاغ حكيم، من رب العالمين للجنة والناس أجمعين.

علق باستخدام فيسبوك

تعليقات