دور الوسطية في تحقيق الاستقرار السياسي(2)

270 views0

ثانياً – في مفهوم الوسطية

يرتبط مصطلح الوسطية بلفظ الوسط ومعانيه في اللغة. لذلك ننطلق منها لتحديد مفهومه.

يقول ابن منظور: (وسط الشيء ما بين طرفيه) وهو قد يأتي صفة، وإن كان أصله أن يكون اسماً من جهة أن أوسط الشيء أفضله وخياره، كوسط المرعى خير من طرفيه لأنه أخصبها عادة، وكوسط الدابة للركوب خير من طرفيها لتمكن الراكب. ومنه قوله تعالى: ((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ(((الحج: ١١(، أي على شك، فهو على طرف من دينه غير متوسط فيه ولا متمكن. ومنه أيضاً الأثر: خيار الأمور أوساطها. فلما كان وسط الشيء أفضله وأعدله جاز أن يقع صفة، وذلك مثل قوله تعالى : ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكمْ أُمَّةً وَسَطًا)(( البقرة: ١٤٣(، أي عدلاً، ثم قال ابن منظور: (فهذا تفسير الوسط وحقيقة معناه وأنه اسم لما بين طرفي الشيء وهو منه)

 

أما الراغب الأصفهاني فينطلق من كون الوسط يقال تارة في ما له طرفان مذمومان كالجود الذي هو بين البخل والسرف، ليؤكد أنه لفظ يستعمل استعمال القصد المصون عن الإفراط والتفريط، فيمدح به، مثل ما تستعمل ألفاظ السواء والعدل والنصفة، نحو قوله تعالى: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا(( ( البقرة: ١٤٣)

إن الوسطية المذكورة في الآية وإن شرحت لدى المفسرين بالخيرية والعدل، فإن هذه الصفات، بالنظر إلى أصل المفهوم، ناتجة عن البعد عن طرفي الإفراط والتفريط. وهو ما أكده العديد من العلماء المعتبرين. فذهب ابن جرير الطبري إلى أن الله تعالى إنما وصف المسلمين بأنهم وسط لتوسّطهم في الدّين، فلا هم أهل غلو فيه ولا هم أهل تقصير فيه قال: (ولكنهم أهل توسّط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحبّ الأمور إلى الله أوسطها). أما ابن القيم الجوزية فبعد أن يؤكد أن دين الله تعالى بين الغالي والجافي، وأن خير الناس النمط الأوسط بعيداً عن تقصير المفرطين وغلو المعتدين، يقول: (وقد جعل الله سبحانه هذه الأمة وسطا، وهي الخيار العدل لتوسطها بين الطرفين المذمومين، والعدل هو الوسط بين طرفي الجور والتفريط).

ومن هنا فإن الوسطية هي حالة من التوازن بين التشدد والشذوذ من جهة، والتهاون والتقصير من جهة ثانية . وهي منهج في الحياة، يرتبط بمختلف جوانب النشاط البشري، فهي منهج في فهم الشرع ومنهج في التدين، ومنهج في العمل السياسي، ومنهج في التعامل مع الآخرين.

وتيار الوسطية تيار ممتد عبر التاريخ، ليس وليد حالة تاريخية واجتماعية راهنة، إنما هو نتاج لحركة التجديد والإحياء الإسلاميتين عبر التاريخ قادها عبر عصور مختلفة عدد من العلماء والمفكرين الإسلاميين عبر التاريخ. ولئن عرفت المجتمعات المسلمة في مراحل متعددة، بروز أفكار وسلوكيات متشددة، أخذت من الدين الجوانب الأكثر صعوبة، بل وبالغت فيها، حتى تصوّر بعض الناس أنها هي الجانب الأهم من الحياة ومن الدين، فإن التيار الأعم والأكثر شعبية وانتشاراً عبر تاريخ المسلمين هو تيار الوسطية والاعتدال. وقد خط القرآن الكريم وخط الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك منهجاً وسطياً واضحاً لا لبس فيه من خلال التوجيهات المحذرة من الغلو، والمرغبة في التيسير والتخفيف، ومن خلال سيل من المبادئ والقواعد التي جعلت تيار الوسطية تياراً أصيلاً ضارباً في أعماق التاريخ الإسلامي. ومن المعروف أنه توجد مقاربات واجتهادات مختلفة في الفكر السياسي الإسلامي، منها الموسع والمضيّق. ومن هنا الحاجة إلى تبين أهم سمات وتأثيرات المنهج الوسطي.

علق باستخدام فيسبوك

تعليقات