دور الوسطية في تحقيق الاستقرار السياسي (1)

221 views0

د.سعد الدين العثماني

   أولاً – في معايير الاستقرار السياسي

الاستقرار السياسي أمر تسعى إليه الأمم والشعوب لأنه يوفر لها الجو والبيئة الضروريين للأمن والتنمية والازدهار. ومفهوم الاستقرار السياسي مفهوم نسبي تختلف بعض مفرداته حسب المجتمعات، كما تختلف تعريفاته ومعاييره لدى الباحثين، لكنه يستبطن قدرة النظام السياسي على التعامل بنجاح مع الأزمات التي تواجهه، وقدرته على إدارة الصراعات القائمة داخل المجتمع بشكل يستطيع من خلاله أن يحافظ عليها في دائرة تمكنه من القيام بما يلزم من تغييرات للاستجابة للحد الأدنى من توقعات وحاجات المواطنين. وبتعبير آخر إن الاستقرار السياسي هو مدى قدرة النظام السياسي على تعبئة الموارد الكافية لاستيعاب الصراعات التي تبرز داخل المجتمع، بدرجة تحول دون وقوع العنف فيه. فكثير من الباحثين يذهبون إلى أن العنف هو أحد أهم ظواهر عدم الاستقرار السياسي.

ومن معايير الاستقرار السياسي ازدياد فرص الانفتاح السياسي والديمقراطية المقترنين بالاعتدال في المواقف والسلوكيات، واتخاذ مواقف أقل تشدداً وتوترا من قبل الأطراف السياسية والمدنية.

وبهذا يظهر أن الاستقرار السياسي ليس وليد القوة العسكرية أو الأمنية، على أهميتها في ذلك، ولا يتأتى بالمزيد من الإجراءات الردعية أو الإكثار من الممنوعات والضغوطات، وإنما يتم ببناء حياة سياسية سليمة، ترفع مستوى الرضا الشعبي ومستوى الثقة في الحياة السياسية وفي مؤسسات الدولة والمجتمع، وتبث الأمن والطمأنينة، ومن ثم الاستقرار. إن العديد من الدول تملك ترسانة عسكرية كبيرة وأجهزة أمنية متطورة، والكثير من مظاهر القوة المادية، إلا أن استقرارها السياسي هش، سرعان ما يعاني التداعي والاهتراء والضعف مع أي ضغط أو تحول. وفي المقابل نجد دولاً تعرف استقراراً مقبولاً أو صلباً، وتواجه أزماتها وتقاوم المؤامرات التي تتعرض لها بإمكاناتها الذاتية، على الرغم من أنها قد لا تمتلك أسلحة عسكرية ضخمة، ولا مؤسسات أمنية متطورة. وكأن الدول ذات البنيات السياسية الهشة تستعيض عن تلك الهشاشة بالوفرة في القوة العسكرية والأمنية، مع أن القمع لا يصنع أمناً ولا استقراراً، بل يضاعف من عوامل وأسباب التوتر السياسي والاجتماعي، وربما انفجارهما.

علق باستخدام فيسبوك

تعليقات