البحر الميت : لاتكن مثله ؟

121 views0

  مدير التحرير

كثيراً ما تحتاج إلى تدريب موظفيك، وفي هذه الحالة قد يكون أسهل ما تفعله هو تلقين الموظف  بعض الحقائق والمعلومات الجافة عن المهمة، فإذا استخدمت أسلوب سرد القصص، فإن ذلك يكسر ملل التدريب، ويضفي عليه قدراً من الحماس يمكِّن الموظف من الاستيعاب السريع.
ماذا تفعل مثلاً إذا وجدت سكرتيرك عاجزاً عن الاستفادة من بعض المزايا الخاصة المتوافرة بجهاز تليفون العمل، مثل إمكانية عقد الاجتماعات التليفونية بين أكثر من شخصين؟
أحد الحلول التقليدية المتاحة أمامك هو أن ترسله لحضور دورة تدريبية لتطوير مهارات استخدام الهاتف، أو تكتفي بأن تعطيه دليل استعمال الهاتف، أو تشرح له وظيفة كل زر من أزرار الهاتف.
هذه الخيارات لا تضمن حفز السكرتير على اكتساب المهارات الجديدة، إذْ ينطبق على ذلك القول المأثور الشائع: «يمكنك أن تسوق جوادك إلى النهر، ولكنك لا تستطيع أن تجبره على الشرب»، وكذلك هم الموظفون، ليس بمقدورك إكسابهم المهارات التي يحتاجونها إلا إذا أرادوا هم أن يكتسبوها.
تخيل أنك بدلاً من الحلول السابقة قصصت على السكرتير حكاية سكرتير تنفيذي سابق كان يعمل معك، وكيف أنك وكل الزملاء كنتم تقدرون مهاراته في استخدام الهاتف (ولتركز على الوظائف التي لا يستطيع السكرتير الحالي القيام بها)، ثم تقص عليه كيف اكتسب السكرتير مهاراته نتيجة حرصه على قراءة دليل استعمال الهاتف بعناية في أوقات فراغه، وكيف أنه اشترى لمنـزله هاتفاً من الطراز نفسه الموجود بالشركة ليتدرب على استخدامه في المنـزل.
وتأمّل معي ما قام به ذلك الطبيب الذي كان مسؤولاً عن مشروع للتبرع بالدم، حيث سرد على جمهور المتبرعين حكاية «البحر الميت»، فقال: إن البحر الميت وبحيرة طبرية ينبعان من النقطة نفسها، إلا أن مياه البحر الميت لا تتدفق في مخارج أو مجاري أخرى، ولا ترتحل أو تسافر كما يحدث للبحيرة، فبحيرة طبرية لها مخارج وموارد أخرى تصب فيها، مما يجعلها تجدد مياهها بشكل دائم، أما البحر الميت فلا يصب في أي مكان، ولكنه يأخذ فقط من منبعه، ونظراً لانعدام حركته وعدم تجدد مياهه، فإنه يكتفي بتلقي الأملاح والرواسب من المياه الأخرى، حتى ارتفعت نسبتها فيه، وأصبح كما يطلق عليه الناس «ميتاً».
بعد أن سمع الجمهور هذه القصة تقدم الناس بحماس للتبرع بالدم، إذ تحمل هذه القصة رسالة، وهي أن «من يعط يتجدد، ومن يأخذ ويبخل يمت».
ولكن تخيل لو أن الطبيب اكتفى بالقول: «يا إخواني، إن من يعطي يتجدد، ومن يبخل يمت»، هل تعتقد أن هذا الوعظ سيقنع الحضور بالتقدم للتبرع بالدم؟
بعد نجاح هذه القصة في إثارة حماس الناس قرر الطبيب كتابة القصة وتعليقها على باب سيارة التبرع بالدم.
وكذلك انظر إلى قصة مدير إحدى شركات الكمبيوتر الناشئة الذي كان يخطط لعقد اجتماع مع مدير شركة كبرى منافسة لإبرام صفقة مهمة، فاستدعى أفضل مهندسيه وقال له: لدينا الأسبوع المقبل اجتماع مهم مع أقوى منافسينا، وأريدك أن ترتدي ملابس رسمية لائقة بدلاً من هذه الملابس الرياضية التي اعتدت عليها، ليكون مظهرك لائقاً أمام مضيفنا.
وبعد أن خرج المهندس من باب مكتب مديره شعر بأن ما سمعه للتوّ يحمل انتقاداً سافراً لمظهره الشخصي الذي يليق بأسلوب حياته وطبيعة عمله الابتكاري، لذا قرر الاستقالة وتأسيس شركته الخاصة التي سيرتدي فيها ما شاء من ملابس رياضية وموسمية، ليركِّز على العمل والابتكار لا على المظاهر والرسميات.
فهل يدهشك أن تعلم أن هذا المهندس تمكن في أقل من عامين من انتزاع الصفقة نفسها التي فشل مديره في إبرامها بعد أن استقال، وأنه في أقل من عام واحد بعد ذلك تمكن من سحق هذه الشركة نفسها في السوق بشركته المتواضعة آنذاك, وبدون أن يرتدي حلة رسمية؟
لن يدهشك ذلك إذا علمت أن قصة هذا المهندس المبتكر نفسها قد تكررت مع «بيل جيتس» الذي أنشأ شركة «مايكروسوفت» وتغلب بها على شركة «أَبِل».
تُرى ما الذي كان يمكن أن يحدث لو أن مدير المهندس الذي سردنا قصته بدلاً من أن يخبره بتوصياته ومعلوماته بالطريقة التقليدية كان قد استخدم أسلوب سرد القصص؟
فمثلاً, كان يمكنه أن يسرد عليه القصة التالية: «لدينا الأسبوع المقبل اجتماع مهم مع أقوى منافسينا، وأريدك معي في هذا الاجتماع، ولكني تذكرت شيئاً مهماً عن المدير الذي سنقابله، فمنذ ما يقرب من نصف العام ذهب الرجل مع أصغر أبنائه، الذي كان يعشق الرياضة، لمشاهدة مباراة كرة القدم، فنشب شجار عنيف بين الجمهور، وأثناء هذا الشجار تطاول أحد الحضور وانهال بالضرب على الولد الصغير، وكان هذا الرجل القاسي يرتدي ملابس رياضية.
تسببت هذه الحادثة في أن كَرِهَ الولد الصغير الرياضة، وظلت ذكرى الرجل الذي يرتدي الملابس الرياضية تبعث في نفسه الخوف، فكان لا يرى أحداً يرتدي هذه الملابس إلا ونفر منه، ومن الطبيعي أن ينتقل هذا الشعور من الولد الصغير إلى الأب
تُرى هل كان المهندس بعد استماعه لهذه القصة سيُقدم على مغادرة الشركة؟ أم كان سيرتدي حلة رسمية ورابطة عنق لحضور الاجتماع؟

علق باستخدام فيسبوك

تعليقات