تحليل الشخصية اليهودية عند شكسبير

227 views0

 مدير التحرير
 
في القرن السادس عشر كتب شكسبير مسرحيته الشهيرة "تاجر البندقية" التي تدور أحداثها في مدينة البندقية الإيطالية، ومن خلال الرواية حلل شكسبير الأبعاد النفسية للشخصية اليهودية كما عرفها الغربيون من خلال معايشتهم لليهود.
 
وقد جسد الشخصية اليهودية في المسرحية "شليوخ" أو شيلوك "المرابي اليهودي الذي استغل نبل التاجر المسيحي" أنطونيو (تاجر البندقية) الذي اقترض من شيلوك ليساعد صديقه (باسانيو) ليساعده على الزواج من محبوبته (برسيا).
 
واشترط شيلوك على أنطونيو أن يكون القرض بأجل ثلاثة أشهر وإن لم يستطع الوفاء بالسداد سيقتطع رطلاً من لحمه في المكان الذي يختاره شيلوك، وقبل أنطونيو الشرط ثقة منه أنه سيقوم بالسداد فور عودة سفنه، ولكن أتت الريح بما لا تشتهي السفن، وتعذر على أنطونيو السداد، ودارت أحداث باقي القصة حول عقدة قطع رطل من لحم "أنطونيو" تم حلها في نهاية القصة، وما يعنينا هنا تحليل شكسبير لشخصية شيلوك ممثلاً للشخصية اليهودية والذي يتجلي فيما يلي:
 
1- القسوة المفرطة حين يتمكن من خصمه: ويتجلى ذلك في إصرار شيلوك على اقتطاع رطل من لحم "أنطونيو" وفشل كل محاولات أنطونيو وصديقه، وحتى القاضي في استعطافه، وإثارة أقل قدر من الرحمة في قلبه يحول بينه وبين إنفاذ الشرط.
 
وعبر شكسبير عن هذه القسوة على لسان القاضي في المشهد الأول من الفصل الرابع مخاطباً "أنطونيو": "إن خصمك رجل فاقد الإنسانية عديم الرحمة، شديد المراس، ميت الإحساس"!!
 
ويظهر ذلك على لسان أنطونيو "في المشهد الأول من الفصل الرابع مخاطباً صديقه الذي حاول استعطاف شيلوك" داخل قاعة المحكمة: "تذكر أنك تحاور اليهودي، وأنه أيسر لك من إقناعه واستعطافه أن تأمر البحر بالجَزْر في غير أوانه فيستجيب لك، أو أن تستجلب الرحمة من الذئب على النعجة التي افترس صغيرها وتركها تثغو وراءه… من أن تتوصل إلى تليين أقسى شيء في الدنيا وهو قلب اليهودي".
 
2- الحقد والكراهية تجاه الغير: وهو مكون أساس من مكونات شخصية "شيلوك" حتى أن شهوة الحقد والغل تعلو عنده على شهوة المال، فقد رفض رد أمواله مضاعفة مقابل التنازل عن إنفاذ شرط اقتطاع اللحم.
 
ففي المشهد الأول من الفصل الرابع يرد شيلوك على القاضي بقوله: "حسي يدعوني للتشدد في مقاضاة أنطونيو وإثبات احتزاز لحمه، على استعادة نقودي منه، فحقدي عليه متأصل في دمي، وضغني له متمكن من فؤادي"
 
3- الشَرَه للمال: وقد برع شكسبير في تصوير حب اليهود للمال وتكالبهم عليه، وغلبة هذا الشره للمال على أخص العواطف الإنسانية، وهى عاطفة الأبوة، وصور ذلك من خلال حال "شيلوك" بعد أن هربت ابنته "جسيكا" بأموال أبيها لتلحق بمحبوبها، وذلك في حوار بين "شيلوك" وصديقه اليهودي "طوبال" في المشهد الأول من الفصل الثالث: "يا للخسران، اختلست مني أموالي ومصوغاتي والماسة ثمنها ألفا دوقي!! من لي بابنتي ميتة عند قدمي والماستان في أذنيها؟ من لي بها ممدودة هنا أمامي على وشك أن تحمل في نعش وتحمل معها أموالي المسروقة؟".
 
في هذا الحوار يقارن شكسبير بين عاطفة الأبوة وحب المال، وأيهما له الغلبة على قلب اليهودي.
 
4- الخضوع والذلة أمام غلبة القوة: ويتجلى ذلك في الحوار الدائر داخل قاعة المحكمة في المشهد الأول من الفصل الرابع، ومن هذا الحوار بين "شيلوك" و "بارسيا" محامي "أنطونيو":
 
بارسيا: على اليهودي أن يكون رحيماً.
 
شيلوك: "ومن الذي يضطرني إلى الرحمة؟".
 
بارسيا: جمال الرحمة أن تكون اختياراً لا اضطراراً، فهي كماء السماء ينهمر بالخير، وينزل باليُمن عفواً من الواهب، وبركة للموهوب…….
 
وهنا يريد شكسبير أن يعبر عن أن الرحمة لن تأتي من اليهودي اختياراً أبداً، ولكن تنتزع منه اضطراراً.
 
وهذا ما تم في قاعة المحكمة حيث رضخ أخيراً للتنازل عن الشرط بعد أن بين المحامي أن نص القانون يقضي بمصادرة أملاك من يريق دم مسيحي، ونص الصك يجيز له قطع رطل من اللحم، ولم ينص على إراقة الدم.
 
وكذلك إذا تجاوز اليهودي مقدار الوزن المقرر بالصك بالزيادة أو النقصان ولو ذرة واحدة قتل، وصودرت أمواله بحكم القانون وأمام كل نص من هذه النصوص يرضخ اليهودي في ذلة وصغار، وينجو من تحت يديه التاجر النبيل لا رأفة من "شيلوك"، ولكن اضطراراً أمام المحكمة.
 
وهكذا غاص شكسبير في أعماق الشخصية اليهودية سابراً أغوارها معبراً عن مكنون هذه الشخصية عبر تاريخها الطويل مع كل المجتمعات التي عاشت معها شخصية عدوانية تحمل الغل والحقد والكراهية تجاه غير اليهودي تقسو على عدوها إذا تمكنت منه دون أدنى قدر من الرحمة والشفقة، أما إذا علا عدوها عليها بالقوة فتتحول لشخصية ذليلة خاضعة جبانة، شخصية تعشق المال ولو على حساب أي قيمة إنسانية وتستغل المال كسلاح من أسلحتها للإيقاع والفتك بعدوها.والمتابع لما يدور من أحداث مرتبطة بسلوك الصهاينة يجد هذه الصفات متأصلة في الشخصية الصهيونية، وهذه هي الصفة الغالبة على السلوك العام لهذه الشخصية.
 
فهذه الشخصية لم ولن تعيش مع محيطها العربي في سلام، ولن تعيد حقاً مغتصباً اختياراً منها أبداً، ولن تعود لنا حقوقنا إلا إذا اضطرت بالقوة لأن تعيد هذه الحقوق.
 
ولكننا للأسف كالتلميذ الفاشل الذي يعرف يقيناً أن النجاح يلزمه عمل، ومع ذلك يؤثر الكسل ويقعد عن العمل ويعيش في أحلام النجاح.
 
رضوا بالأماني وابتلوا بحظوظهم                  وغاصوا بحار الجد دعوى فما ابتلوا

علق باستخدام فيسبوك

تعليقات