الموقف العربي من الوضع في غزة

111 views0

  مدير التحرير

أنجزت القيادة المصرية ما وعدت به الفصائل والقوى الفلسطينية، وقدّمت تصوّرها لحلّ الأزمة الفلسطينية الداخلية في مشروعٍ تناول قضايا سياسية وخلافية.. لكن الورقة المصرية حملت الكثير من الملاحظات؛ ممّا أثار ردود فعل متباينة داخل الساحة الفلسطينية، ثم قرّرت «القاهرة» في 10 نوفمبر الجاري تأجيل انطلاق الحوار الفلسطيني استجابةً لطلب أربعة فصائل؛ على رأسها حركة المقاومة الإسلامية «حماس» التي أعلنت أنها لن تذهب للحوار في ظلّ اعتقال السلطة الفلسطينية للمئات من كوادرها في الضفّة الغربية، وفي إطار ما أعلنته من تحفّظات وملاحظات على بعض بنود الورقة المصرية.
وقبل الحديث عن تفاصيل التصوّر المصري والملاحظات عليه والاحتمالات القادمة، نذكّر بأن القيادة المصرية أجرت منذ 15 أغسطس الماضي حوارات متواصلة مع الفصائل والقوى الفلسطينية كافّة استمرت إلى بداية شهر نوفمبر الجاري، حين وصل إلى «القاهرة» وفد من حركة «حماس» برئاسة نائب رئيس المكتب السياسي للحركة د. «موسى أبو مرزوق»؛ حيث ناقش الوفد ما وصلت إليه الحوارات السابقة، وسلّم للجانب المصري تصوّر «حماس» للحل، وتبيّن وجود فوارق بين التصوّر المصري وتصوّر «حماس»، وإن كانت «حماس» أبدت إيجابية في بعض النقاط؛ كقضية التمديد للرئيس «محمود عبّاس» لمدة سنة؛ لكن ضمن توافق فلسطيني كامل، وعلى أن يتم ذلك في إطار المؤسّسات الفلسطينية الشرعية؛ كالمجلس التشريعي وليس من خارجه.
يمكن القول: إن تصوّر حركة «حماس» ارتكز إلى المبادئ والعناوين التي أعلن عنها «خالد مشعل» رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» في حديثه لصحيفة «لوفيجارو» الفرنسية في 7 أكتوبر الماضي؛ حيث قال: «إن سُبُل المصالحة تتمثّل في احترام الديمقراطية في فلسطين، أيْ نتائج الانتخابات الماضية والمقبلة، واحترام الدستور الفلسطيني، وإعادة بناء الأجهزة الأمنية بناءً على المهنية والوطنية البعيدة عن الفئوية والفساد، واحترام اتفاقَيْ «القاهرة» و«مكّة» بين الفلسطينيين، والأخذ بالاعتبار اتفاق الأسرى (2006م)، وإعلان الرغبة بإقامة «منظمة تحرير فلسطينية» جديدة تحظى بالإجماع، واحترام المبادئ الأربعة الجوهرية التي تحدثتُ عنها سابقاً».

التصوّر المصري

يركّز التصوّر المصري على الأسس التالية:
1- المصلحة الوطنية الفلسطينية تسمو وتعلو فوق المصالح الحزبية والتنظيمية.
2- وحدة الأراضي الفلسطينية جغرافياً وسياسياً، وعدم القبول بتجزئتها تحت أية ظروف.
3- الحوار هو الوسيلة الوحيدة لإنهاء أية خلافات داخلية.
4- حرمة الدم الفلسطيني، وتحريم الاقتتال الداخلي، ووقف التحريض، ونبذ العنف، وكل ما يمكن أن يؤدي إليه من وسائل وإجراءات.
5- الديمقراطية هي الخيار الوحيد لمبدأ تداول السلطة في إطار احترام سيادة القانون والنظام واحترام الشرعية، وإن دعم الديمقراطية يتطلب أن تكون هناك مشاركة سياسية من الجميع، بعيداً عن مبدأ المحاصصة.
6- المقاومة في إطار التوافق الوطني حقٌّ مشروع للشعب الفلسطيني ما دام الاحتلال قائماً.
7- الاعتماد على المرجعيات الرئيسة السابقة: «اتفاق القاهرة» (مارس 2005م) ـ «وثيقة الوفاق الوطني» (مايو 2006م) ـ «اتفاق مكّة» (فبراير 2007م) ـ مبادرة الرئيس «محمود عبّاس» للحوار الشامل (يونيو 2008م) ـ قرارات القمة العربية المتعلقة بإنهاء حالة الانقسام.

برنامج الحلّ المصري

1- تشكيل حكومة توافق وطني ذات مهامّ محددة تتمثل في رفع الحصار، وتسيير الحياة اليومية للشعب الفلسطيني، والإعداد لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية جديدة، والإشراف على إعادة بناء الأجهزة الأمنية.
2- إعادة بناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية على أسس مهنية ووطنية؛ لتكون وحدها المخوّلة بمهمة الدفاع عن الوطن والمواطنين، وما يتطلبه ذلك من تقديم مساعدة عربية متلازمة لإنجاز عملية البناء والإصلاح.
3- إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة في توقيت متفق عليه، ومراجعة قانون الانتخابات، وفقاً لما تقتضيه مصلحة الوطن.
4- تطوير وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية (الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني) طبقاً لاتفاق القاهرة (مارس 2005م)، بحيث تضم جميع القوى والفصائل، والحفاظ على المنظمة إطاراً وطنياً جامعاً ومرجعية سياسية عليا للفلسطينيين، وانتخاب مجلس وطني جديد في الداخل والخارج حيثما أمكن.
5- الحفاظ على التهدئة في الإطار الذي توافقت عليه كافة الفصائل والقوى الفلسطينية خلال اجتماعاتها بـ«القاهرة» يوميْ 29 و30 أبريل 2008م.
6- توفير المناخ الداخلي الملائم من أجل إنجاح مرحلة ما بعد الحوار الشامل، والتنفيذ الكامل لمقتضيات هذه المرحلة، وما تفرضه من حتمية وقف وإنهاء أية أعمال أو إجراءات داخلية من شأنها الإضرار بالجهد المبذول لإنهاء حالة الانقسام.
7- الاتفاق على تشكيل اللجان التي تتولى مهمة بحث التفصيلات المطلوبة وآليات عملها، لوضع ما يتم التوصل إليه موضع التنفيذ، وذلك في إطار معالجة قضايا الحوار والمصالحة كافة (لجنة الحكومة، لجنة الانتخابات، لجنة الأمن، لجنة منظمة التحرير، لجنة المصالحات الداخلية) على أن تبدأ هذه اللجان عملها بعد انتهاء اجتماعات الحوار الشامل مباشرة، ولا مانع من مشاركة عربية في أيٍّ من هذه اللجان إذا ما طلبت التنظيمات ذلك.
8- اتفقت جميع الفصائل وقوى الشعب الفلسطيني على أن إدارة المفاوضات السياسية من صلاحية منظمة التحرير الفلسطينية ورئيس السلطة الفلسطينية، وتكون مبنية على قاعدة التمسك بالأهداف الوطنية إلى أن يتم عرض أي اتفاق بهذا الشأن على المجلس الوطني للتصديق عليه، أو إجراء استفتاء حيثما أمكن.

المواقف الفلسطينية

رحّبت حركة «فتح» بالتصوّر المصري، وصدرت مواقف عدة من مسؤولين في السلطة الفلسطينية، ومن منظمة التحرير ومن حركة «فتح»، ومن بعض نواب «فتح» ووزرائها تؤيد التصوّر المصري، وترحّب به وتدعو إلى المباشرة في تنفيذه.
ويعود أساس موقف «فتح» هذا إلى اعتبارات عدة، أهمها: إن «فتح» والسلطة تحصلان على مكاسبَ كبيرةٍ من خلال هذا التصوّر، كالتفويض السياسي للرئيس «محمود عبّاس» بالمفاوضات، وكإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة، لكن لا يبدو أن هذا هو موقف حركة «فتح» الكلي؛ إذ برزت مواقف وتصريحات وأفعال تشير إلى وجود تيار يعارض المصالحة مع «حماس».
فحين كانت «حماس» تتفاوض مع القيادة المصرية في «القاهرة» وتدعو للقاء مباشر مع «فتح»، خرج «عزّام الأحمد» رئيس كتلة «فتح» البرلمانية في المجلس التشريعي ليعلن رفض حركته الجلوس مع «حماس» إلا بعد انتهاء الحوارات، والتوقيع على وثيقة المصالحة.
وفي السياق نفسه، خرج مسؤول أمني (تابع للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية) ليعلن اكتشاف خلية لحركة «حماس»، ومصنع متفجرات، ونفق تحت الأرض قرب إحدى المستوطنات الصهيونية!
في المقابل، دعت «حماس» إلى جلسة حوار مشتركة ومباشرة مع «فتح»، ورأت أن هذه الخطوة سوف تسهم في إنجاح الحوار، وتأكيداً منها على إنجاح الحوار بعثت حركة «حماس» ردها مكتوباً على التصوّر المصري إلى القيادة المصرية، وقالت على لسان أكثر من متحدث باسمها: إنها لن تناقش الورقة المصرية عبر وسائل الإعلام، بل في إطار الحوار.

ملاحظات على الورقة المصرية

لكننا ـ كمتابعين ومراقبين ـ نسجّل الملاحظات الجوهرية التالية على التصوّر المصري:
أولاً: تطلق القيادة المصرية على التصوّر اسم «المشروع الوطني الفلسطيني»؛ لكنه يخلو من أي عنوان أو مطلب من أسس مرتكزات القضية الفلسطينية، كالتحرير أو الانسحاب «الإسرائيلي» أو تفكيك المستوطنات أو إطلاق سراح الأسرى.. وبالتالي فإن أي ورقة تحمل عنواناً وطنياً فلسطينياً جامعا،ً وتخلو من لبّ القضية الفلسطينية ستكون مرفوضة.
ثانياً: إن الورقة تحصر المطالب الفلسطينية الإستراتيجية بإقامة دولة فلسطينية وعاصمتها «القدس»، وهذه نقطة خلافية كبيرة داخل الساحة الفلسطينية.
ثالثاً: فيما يخصّ المصالحة الداخلية بين «حماس»، و«فتح» نلاحظ أن الورقة المصرية تعطي الأولوية للثانية على حساب الأولى؛ إذ تبدأ الورقة بمطالب «فتح»، مثل: تشكيل حكومة، وإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة.. وتؤخّر مطالب «حماس» إلى نهاية الورقة مثل: مطلب إعادة بناء الأجهزة الأمنية للسلطة، وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية؛ إذ لا أحد يعلم ماذا ستكون النتيجة إذا بدأت «حماس» بالانتخابات، أي هل ستستمر السلطة في الإصلاحات وفي تنفيذ بنود الورقة كلها؟! وعلى ماذا ستحصل «حماس» بعد حل المجلس التشريعي الحالي، وإقالة حكومة «إسماعيل هنية»؟!
رابعاً: تتحدّث الورقة عن موقف خطير يُطرَح لأول مرة في الأوراق الفلسطينية، وهو «اعتبار المقاومة في إطار التوافق الفلسطيني حقاً مشروعاً»، فالمقاومة في عُرْف كل الفلسطينيين حق مشروع، ورد طبيعي على الاحتلال، ولا يحتاج الأمر إلى توافق فلسطيني.. وكيف يحصل هذا التوافق الوطني في ظل وجود برنامج تتبناه «فتح»، و«السلطة»، و«منظمة التحرير» يقوم على الاعتراف بـ«إسرائيل»، والتفاوض والتنسيق الأمني معها، ونبذ العنف، ومحاربة المقاومة؟!
خامساً: يبدو أن الورقة تحاول أن تأخذ حركة «حماس» إلى مربع التسوية؛ إذ توجد في الورقة عدة عبارات تتحدث عن التسوية والمفاوضات مع الاحتلال الصهيوني، مثل: «الوضع الحالي يكاد يعصف بآمال وطموحات شعبنا وقضيتنا العادلة، ويتلاشى منطلقاً في الدفاع عنها، وتتضاءل حججنا في أن نفرضها على العالم ونضعه أمام مسؤولياته والتزاماته في ظل متغيرات إقليمية ودولية نعلم جميعاً طبيعتها ومقتضياتها».
وهناك عبارة أخرى أكثر وضوحاً، هي: «واستشرافاً بمستقبل لا بدّ أن نصنعه بأنفسنا، ونحدد ملامحه بأيدينا، ونبلور معالمه بإرادتنا، ونتحرك فيه بعزيمة قوية وإصرار لا يلين من أجل إعادة اللُّحمة إلى البيت الفلسطيني، والاتفاق على مشروع وطني نخاطب من خلاله المجتمع الدولي ونُثْبت به حقنا في أن نحيا في أمن وسلام ورخاء مثلنا مثل باقي شعوب العالم».
وكأن الورقة مع الملاحظات السياسية التي عليها تحاول تكريس واقع سياسي فلسطيني مرفوض فلسطينياً على حساب واقع سياسي آخر يحمل مشروع المقاومة!
سادساً: تحاول الورقة أن تجعل من التهدئة التي توصلت إليها القوى الفلسطينية مع الاحتلال الصهيوني برعاية مصرية في شهر مايو الماضي مسألة ثابتة ودائمة ومستمرة، على رغم إجماع غالبية الفصائل أن التهدئة تكتيك نضالي مقاوم، وأنها مؤقتة، ومرتبطة بالثمن الذي سيحصل عليه الفلسطينيون بخصوص حماية المواطنين المدنيين، ووقف الاعتداءات الصهيونية، وفك الحصار.. وربما هذا الموقف في الورقة المصرية هو الذي دفع القيادي في حركة الجهاد الإسلامي «نافذ عزّام» في احتفال لحركته في غزة إلى الإعلان أن «التهدئة باتت تشكل خطراً على الشعب الفلسطيني».
سابعاً: تخلو الورقة من مسألة الجداول الزمنية للمتابعة والتنفيذ.

احتمالات مستقبلية

نحن أمام احتمالات ثلاثة لمستقبل الورقة المصرية:
أولها الفشل والانفجار: أيْ أن تفشل الورقة المصرية تماماً ثم تصعّد السلطة الفلسطينية ضد حركة «حماس»؛ فتعلن قطاع «غزة» إقليماً متمرداً، وتنفذ حملات دهم واعتقال في الضفة الغربية.. وهذا الاحتمال ممكن ووارد، لكن كُلْفته على السلطة الفلسطينية عالية ومردوده على القيادة المصرية كبير؛ لكن ذلك لا ينفي احتمال وقوعه، وخاصة إذا ترافق مع عدوان صهيوني واسع على قطاع غزة تقول مصادر «إسرائيلية»: إنه سيحصل في أوائل العام القادم.
ثانيها المماطلة: وهو احتمال ممكن وواقعي، وخاصة إذا تمسكت حركة «حماس» بملاحظاتها الجوهرية على الورقة.. وفي هذه الحال سيرفض أبومازن تعديلات «حماس»، ويضعها أمام خياره الأساسي وهو البقاء سنة في رئاسة السلطة حتى عام 2010م، وحينئذٍ تصبح رئاسة «أبو مازن» منتهية، ومدة المجلس التشريعي كذلك، فتُضطر «حماس» إلى التعامل مع نظرية «محمود عبّاس» في إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة.
والثالث نجاح الحوار: والمسارعة في أخذ الملاحظات وتعديلها، وهذا يلزمه إجراء مقاربة مصرية جوهرية للأزمة بين «حماس» و«فتح»، وتخلّي القيادة المصرية و«محمود عبّاس» عن بعض المفاصل الرئيسة في التصوّر المصري، وأن تكون لـ«محمود عبّاس» رغبة جادة في إنجاح الحوار.. وهذا الأمر لا يبدو متوافراً، في ظل كل ما يُقال عن تنسيق أمني بين السلطة والاحتلال الصهيوني.>

علق باستخدام فيسبوك

تعليقات