استقامة الحياة – كلمة العيد

137 views0

   الإنسان مبتلى في العالم المشهود لا يسلم من غواشي الغفلة والجهالة ولو جاهد يركز الذكر ويرسخ العلم ولا من نوازع الشهوة والهدى ولو صابر على التزهد والتخلص، وهو لا يبرأ من الخطأ في اجتهاد الرأي ولو التمس الصواب ولا في جهد العمل ولو تقصّد الصحيح.

الإنسان خطّاء عليه أبداً أن ينظر في حصيلة كسبه ليقرأ كتابه في الدنيا ويحاسب نفسه قبل حساب كتاب الآخرة، وإذا راجع النظر في السابقات تيسر له التقويم الأحكم بالنظر الراجع المستضيء بما نتج كان أو لم يكن منظوراً، وإذا تبين الخطأ ينبغي ألا يغض الطرف بل ينقلب عليه بالتوبة.

متابات لا تنتهي

وعلى الإنسان المؤمن ألا يأخذه العجب بما حصّل من صلاح أو بلغ من إحسان أو أنجز من وعد وأمل بل ينبغي أن يقدر معالي المثل التي يسعى في سبيلها المؤمن درجات زلفى من الله سبحانه وتعالى ثم يناظرها بواقع خطى حياته القاصرة عن المثال والكمال، عليه دائماً أن يعني بتشخيص علله ومحصولات كتابه السالبة والقاصرة ليكون مسعاه أبداً متابات مستغفرة لله ودفعات إلى التي هي أحسن ورجاءات لتوفيق ربه، لا يستغنى بما قد يزينه له الشيطان من المنافقة والتستر على خطاياه ولا يغره هوى الحب أن يحمد عاجلاً بما فعل وما لم يفعل.

فالمسلمون ينبغي ألا يستهويهم عرف التقارير التي يرفعها العاملون لرؤسائهم عرضاً للمكاسب والإنجازات والمحاسن بل عليهم أن يتموا البيان المتجرد لكسب صالح الأعمال باستدراك الخطايا قبل أن تستفحل وتقويم العِوج وكفارة الضياع والاعتبار بالفائت.

وشعيرة الأذكار تلاوة للقرآن وقصصاً لمأثور السنة والسلف الصالح تزكي عند المؤمن خلق التوبة والاستغفار. فما يذكر المؤمن ربه يناجيه كل حين إلا ادكر خطاياه متبصراً وقعها وأثرها منقلباً عليها بوجوه الندامة داعياً ربه أن يغفرها غطاء بالرضى ويعفو مسحاً بالرحمة، ويصمم على التوبة اتقاء لذلك البعد من الله والأوبة إلى القربة طامعاً أن يهديه ربه، يكفر معتبراً بذنوبه متخذاً من تلك الموعظة دافعاً ألا يعود لمثلها بل يحاول أن يعوضها بكسب حسن، هكذا يرجو أن يستجيب له الله ويوفقه ويبدل سيئاته حسنات: )وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا* يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا*إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا* وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إلى اللَّهِ مَتَابًا((سورة الفــرقان الآيــات 68-71)، )إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ( (ســورة النمل الآية 11).

وضوء من الذنوب

والتوطئة للقيام بالصلاة هو الغسل أو الوضوء أو التيمم تطهراً من الذنوب لتخرج الخطايا من الجسم حتى من تحت الأظافر ظاهراً وباطناً يتأهل لأن يقف به المصلي بين يدي ربه ويدخل في ساحة المناجاة المطهرة المقدسة، فهو يغسل ذنوبه: ما توجه إليه الوجه أو وقع عليه النظر أو أحسه الأنف أو جرى على اللسان وهو يمسح منها خواطر الذهن وطوارق السمع وهو يتطهر مما تحركت بها الأيدي عادية والأرجل ساعية إلى باطل.

ويعود المؤمن إلى التطهر بين يدي كل صلاة ما حجبته عن حال الطهارة بغفلة سنة النوم أو جوحة شهوة ملامسة أو مواطأة أو خرجة نجاسة من العورة. ويكبّر المصلي ربه فوق ما كَبُر عليه من شيطان إنس أو جن يوحي الخطأ، ويستقبل القبلة بوجهه والله بقلبه يقاوم نوازع المروق من حدود حضرة ذكر الله ليزكي كف النفس عن التعدي على حدود شرع الله. والدعاء لا سيما في السجود فيه استغفار لله الأعلى يسال الله دفعة رحمة عامة تعفو وتمسح جملة خطاياه أو يذكر الساجد خطأ معيناً يستدعي عليه نفحة من غفران الله.

وأيما خطأ في إقامة الصلاة ذاتها فوراءه توبة الناسي، يعود فيقضي ما فاته من صلاة أو يتم ما نقص منها يكفر فيعيد ما فسد من ركن أو يعوض بسجود سهو. والمأمومون يذكرون إمامهم إذا أخطأ تصويباً تلاوة للقرآن أو تسبيحاً أو بياناً لسهو حركة حتى يتوب بهم إلى قوام الصلاة.

والصائم يكف عن الشهوة يتذكر ما دعته إليه من ذنب سبق فسيستغفر عن أكل غير حلال أو فعل حرام بشهوة أو كلام آذى أو أساء، وصيامه كفارة لسابقات الذنوب يخرجه عتيقاً يحرم على النار ويزكيه حصيناً من لاحقات. وإذا أخطأ الصائم في أداء شعيرته ذاتها يستغفر أو يقضي أو يكفر بمزيد صيام. وبعد مختتم الشهر المؤمنون يصلون العيد أطهاراً ويتعافون عما بينهم بالعرف الجاري.

الإحرام حصانة وطهارة

والحج يتطهر له القادم كالصلاة بل يبدل زيه ويحلق شعره ويتحصن بإحرامه مدة أطول من طهارة الصلاة. وتبقى الذنوب أياماً بلا عدوان على الإنسان أو الحيوان ويكثف الشعائر تطهره وتزكيه، وإذا أخطأ تعلم التكفير بتبديل السيئات حسنات إذ يسارع مقدماً هدياً لطعام ذي الحاجة من المؤمنين، وإذا قضى الشعيرة بكل أفعالها وأذكارها وآدابها الممتدة أماماً خرج مكفراً طاهراً كيوم ولدته أمه.

والزكاة والصدقة المتوالية تطهر وتزكي: ) مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ( (سورة التوبة الآية 103)، وذلك عطاء يكفر كل كسب حرام أو ظالم أو مفتون بالمتاع العاجل، يطهر بقية المال ويغسل اليد الكاسبة لا سيما إذا لم يخلط المتصدق عطاءه بــذنب المن والأذى وتيمم الخبيث بل جرده حسنة خالصة يتعلم بها خلق صافي الإحسان في كل حياته: ) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( (سورة البقرة الآية 271).

وفي سائر حياة المؤمن طوال يومه وعمره هو عرضة لأن يقع في الخطأ ولو لمماً عن عابرات غفلة عن الهدى وزلقة عن الطريق المستقيم وربما يغرق في غساق الكبائر والفواحش. والخير في مسيرة حياة المؤمن أن يتذكر فيهمّ كل حين بتوبة مما عرض له لئلا يتمادى به الوحل ويستفحل مرض قلبه. وكل بني آدم خطّاء وخير الخطائين التوابون لا العمهون أو اليائسون الذين أحاطت بهم خطاياهم وقنطوا من رحمة الله ألا صلاح لهم.

بل المؤمنون أوّابون مهما أسرفوا ذنوباً كبرت أو صغرت قدموها أو أخروا أعلنوها أو أسروا أدركوها أو غفلوا فالله تواب رحيم: ) قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُون َ( (سورة الزمر الآيتان 53، 54).

الشعائر ذكرا وعملا

والشعائر ذكراً أو عملاً فرضاً أو نفلاً تتوالى عبر يوم المؤمن وعمره وتتواتر دائرة مع دورات الأوقات والأحوال في الحياة تصل المؤمن بذكر ربه وذكر غيب المسئولية بين يديه فيستدرك خطاياه بحق الأمانة التي يحملها عابداً طائعاً لله وتعود بوعي المؤمن إلى أصول الدين إلى الكتاب والسنة وتراث الصالحين فيجد ما يدعوه للمتاب والاستغفار والمناب إلى رحمة الله والنجاة من سوء المصير واستنقاذ نفسه من الوحل الدائم في السيئات الذي يسوقه إلى الهوىّ الخالد في النار.

الشعائر تحيط بالمؤمن لا تنقطع عنه وقتاً طويلاً لا سيما إذا كان من الذاكرين؛ ولذلك تسعفه فينقطع عن كبار الخطايا المستمرة وتمده بساعات قرب من الله فرصاً للبعد والتنائي من الذنوب مستغفراً. والشعائر يؤديها المؤمن فرداً ولنفسه ولو كان في جماعة فيتزكى فيه الإيمان أنه مسئول فرداً لا يجديه أن يمضي عامداً في ذنبه معولاً على شفاعة  أو عدل أو فدية إذ لا تزر وازرة وزر أخرى، ولن يغنى هو عن الآخرين يحمل أثقالهم بل ما عليه إلا أن ينصح ويذكّر ويوصى بالتوبة. ولو كان الخاطئ والي أمر جائراً فإن الصلاة تعلم الرعية ما تعلم المأمومون من تذكير الإمام بخطئه.

إن المؤمن المؤدي الشعائر يقوم في حياته كلها محاسباً مراجعاً لنفسه ولمن يليه تذكراً أن له معقبات من رقابة الله وعقابه ملحقاً كل خطيئة بتوبة درّيئة. والحياة دوارة بالبلايا موارة لذلك بالخطايا والمؤمن قوّام لها همّام بالتوبات من قريب يتذكر ويتطهر ويستغفر ويكفر ويجبر زلته ويصلح سنته ليستقيم صوب حياته نحو الزلفى وحسن المآب عند الرحيم التواب.

علق باستخدام فيسبوك

تعليقات