زهير بن أبي سلمى..سيرته..ومعلقته

117 views0

 

زهير بن أبي سلمى

     هو زهير بن أبي سلمى ـ واسم أبي سلمى : ربيعة بن رباح المزني من مزينة ابن أد بن طايخة .

     كانت محلّتهم في بلاد غطفان ، فظنّ الناس أنّه من غطفان ، وهو ما ذهب إليه ابن قتيبة أيضاً .

     وهو أحد الشعراء الثلاثة الفحول المقدّمين على سائر الشعراء بالاتّفاق ، وإنّما الخلاف في تقديم أحدهم على الآخر ، وهم : امرؤ القيس وزهير والنابغة . ويقال : إنّه لم يتصل الشعر في ولد أحد من الفحول في الجاهلية ما اتصل في ولد زهير ، وكان والد زهير شاعراً ، واُخته سلمى شاعرة ، واُخته الخنساء شاعرة ، وابناه كعب ومجبر شاعرين ، وكان خال زهير أسعد بن الغدير شاعراً ، والغدير اُمّه وبها عرف ، وكان أخوه بشامة بن الغدير شاعراً كثير الشعر .

     ويظهر من شعر ينسب إليه أنّه عاش طويلاً إذ يقول متأفّفاً من هذه الحياة ومشقّاتها حتّى سئم منها :

سئمت تكاليف الحياة ومن يعش                ثمانين حولاً لا أبا لك يسأم

قالوا فيه :

     1 ـ الحطيئة اُستاذ زهير : سئل عنه فقال : ما رأيت مثله في تكفِّيه على أكتاف القوافي ، وأخذه بأعنّتها حيث شاء ، من اختلاف معانيها امتداحاً وذمّاً .

     2 ـ ابن الاعرابي : كان لزهير في الشعر ما لم يكن لغيره .

     3 ـ قدامة بن موسى ـ وكان عالماً بالشعر ـ  : كان يقدّم زهيراً .

     4 ـ عكرمة بن جرير : قلت لأبي : مَن أشعر الناس؟ قال : أجاهليةٌ أم إسلامية؟ فقلت : جاهلية ، قال : زهير .

مميّزات شعره :

     امتاز زهير بمدحيّاته ، وحكميّاته ، وبلاغته ، وكان لشعره تأثير كبير في نفوس العرب . وكان أبوه مقرّباً من اُمراء ذبيان ، وخصوصاً هرم بن سنان والحارث ابن عوف ، وأوّل قصيدة نظمها في مدحهما على أثر مكرمة أتياها . معلّقته المشهورة .

     ويؤخذ من بعض أقواله أنّه كان مؤمناً بالبعث كقوله :

يؤخَّر فيودَع في كتاب فيدَّخَرْ                ليومِ الحسابِ أو يعجّلْ فينتقمِ

     وممّا يدلّ على تعقّله وحنكته وسعة صدره حِكمه في معلّقته ، وقد جمع خلاصة التقاضي في بيت واحد :

وإنّ الحقّ مقطعه ثلاث :               يمينٌ أو نفارٌ أو جلاءُ

معلّقة زهير بن أبي سلمى

     البحر : الطويل . عدد الأبيات : 59 موزّعة فيما يلي : 6 في الأطلال . 9 في الأظعان . 10 في مدح الساعين بالسلام . 21 في الحديث إلى المتحاربين . 13 في الحكم .

     يبدأ الشاعر معلّقته بالحديث عمّا صارت إليه ديار الحبيبة ، فقد هجرها عشرين عاماً ، فأصبحت دمناً بالية ، وآثارها خافتة ، ومعالمها متغيّرة ، فلمّا تأكّد منها هتف محيّياً ودعا لها بالنعيم :

أمن اُمّ أوفى دِمنةٌ لم تَكَلَّمِ                بحَوْمانَةِ الدّرّاجِ فالمتثَلَّمِ

وقفتُ بها من بعدِ عشرينَ حجّةً                 فَلاَياً عرفتُ الدار بعد توهُّمِ

فلمّا عرفتُ الدار قلت لربعها                 ألا أنعم صباحاً أيّها الربع وأسلمِ

     ثمّ عاد بالذاكرة إلى الوراء يسترجع ساعة الفراق ، ويصف النساء اللاتي ارتحلن عنها ، فيتبعهنّ ببصره كئيباً حزيناً ، ويصف الطريق الّتي سلكنها ، والهوادج التي كنّ فيهاو . . . :

بكرن بكوراً واستحرنَ بسحره        فهنّ ووادي الرسّ كاليدِ للفمِ

جعلن القنان عن يمين وحزنه                وكم بالقنان من محلّ ومحرمِ

فلمّا وردنَ الماء زرقاً جمامه                  وضعْنَ عِصِيَّ الحاضرِ المتخيَّمِ

وفيهنّ ملهى للّطيف ومنظر                  أنيق لعين الناظر المتوسّمِ

     وكأنّه حينما وصل إلى هذا المنظر الجميل الفتّان سبح به خاطره إلى جمال الخلق وروعة السلوك ، وحبّ الخير والتضحية في سبيل الأمن والاستقرار ، فشرع يتحدّث عن الساعين في الخير ، المحبّين للسلام ، الداعين إلى الإخاء والصفاء ، فأشاد بشخصين عظيمين هما هرم والحارث ، وذلك لموقفهما النبيل في إطفاء نار الحرب بين عبس وذبيان ، وتحمّلهما ديات القتلى من مالهما وقد بلغت ثلاثة آلاف بعير ، قال :

سعى ساعياً غيظ من مرّة بعدما        تبزّل ما بين العشيرة بالدمِ

فأقسمت بالبيت الّذي طاف حوله          رجال بنوه من قريش وجرهمِ

يميناً لنعم السّيّدان وُجدتما                     على كلّ حال من سحيل ومبرمِ

تداركتما عبساً وذبيان بعدما                 تفانوا ودقّوا بينهم عطر منشمِ

وقد قلتما : إن ندرك السلم واسعاً           بمال ومعروف من القول نسلمِ

فأصبحتما منها على خير موطن              بعيدين فيها من عقوق ومأثمِ

     ثمّ وجّه الكلام إلى الأحلاف المتحاربين قائلاً :

     هل أقسمتم أن تفعلوا ما لاينبغي؟ لا تظهروا الصلح ، وفي نيّتكم الغدر; لأنّ الله سيدخره لكم ويحاسبكم عليه ، إن عاجلاً أو آجلاً ، يقول :

ألا أبلغ الأحلاف عنّي رسالة                 وذبيان هل أقسمتم كلّ مقسمِ

فلا تكتمنّ الله ما في صدوركم                ليخفى ومهما يكتم اللهُ يعلمِ

يؤخّر فيوضع في كتاب فيدّخر               ليوم الحساب أو يعجّل فينقمِ

     ثمّ انتقل من هذا المجال مجال النصح والتوجيه وتأكيد السلام إلى مجال الحكمة الإنسانية العامة ، حكمة الرجل المجرّب للحياة ، الذي ذاقها وخبرها وعاش في خضمّها ، ثمّ امتدّ به العمر فزهدها وانصرف عنها ، قال :   

ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله          على قومِهِ يُسْتَغْن عنهُ ويذمَمِ

ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه                يُهَدَّمْ ، ومن لا يظلم الناسَ يُظْلَمِ

ومن لا يصانع في اُمور كثيرة               يضرّس بأنياب ويوطأ بمنسمِ

ومن يجعل المعروف من دون عرضه        يَفُرْهُ ومن لا يتّقِ الشّتم يُشتَمِ

ومهما تكن عند امرئ من خليقة           وإن خالها تخفى على الناسِ تُعلَمِ

سئمتَ تكاليفَ الحياةِ ومن يعش           ثمانين حولاً لا أبا لك يسأمِ

وأعلمُ ما في اليومِ والأمسِ قبلهُ              ولكنّني من علم ما في غد عمِ

رأيتُ المنايا خبط عشواءَ من تُصب         تمتْهُ ومن تُخطئ يعمّر فيهرمِ

                                            

ويختمها بتأكيد معروف الممدوحين عليه فيقول :

سألنا فأعطيتم وعدنا فعدتمُ                ومن يكثر التسآلَ يوماً سيحرمِ

 

علق باستخدام فيسبوك

تعليقات