ذكريات بين يدي المسجد الحرام

111 views0

   بعد دعاء طويل وتضرع استجاب الله تعالى الدعاء ورأت نفسها تسير مع ركب الحجيج متوجهين إلى بيت الله الحرام ، وارتفعت أصوات التلبية عالية تطرق أبواب السماء فشَعَرَتْ كأن أمر الله تعالى لخليله إبراهيم عليه السلام "وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق" تردده الأكوان فيجيبه الحجيج طائعين (لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لاشريك لك) . أحسَّتْ برهبة شديدة – – إنها عظمة النداء والإجابة فكأنها تقف بين يدي مولاها جلّ وعلا ؛ ففاضت مدامعها وانهمرتْ ، وتلفتتْ حولها فإذا كل من حولها قد أجهش بالبكاء .

  وسارت القافلة وسارتْ هي معها لا تفتأعن شكر الله تعالى على نعمائه حتى لكأن كل ذرة من ذرات كيانها لاترفع رأسها من السجود شكراً لمولاها .

  ومضت الأيام والقافلة تجد السير نحو البيت العتيق تحفُّها عناية الله ورعايته ؛ فإذا بها تقف بين يدي المسجد الحرام وتلوح لها الكعبة المشرفة قبلة الملايين ومنار الحق الذي منه سطع النور فبدد الظلام .

  كانت قدماها لاتكاد تقوى على حملها من رهبة الموقف – – هنا وقف الأنبياء ، هنا سَطعَت الرسالات ، من هنا يشع النور دائماً وأبدا فيضيئ آفاق الدنى لا يقوى على حجبه إنس ولا جان ، من هنا ينبع النهر الوحيد الذي يرده الموات دائماً فيروي أرواحهم ويرتقي بهم إلى القمة العليا في هذا الوجود .

  ما هذا النشاط الذي دبَّ في أوصالها بعد تعب الطريق! ما هذا النشاط الذي دبَّ في الرجل الكهل والمرأة العجوز! ما هذا النشاط الذي دبَّ في الجميع وهم يطوفون حول قبلتهم التي هامت قلوبهم بحبها ! ما هذا النشاط الذي دبَّ في الجميع وهم يهرولون بين الصفا والمروة ! وكيف يطوف هذا الذي ابتلي بمرض في رجليه زاحفاً على ركبتيه ! وكيف يبتهل الذين لاتقوى أقدامهم على حملهم فرُفِعوا على الأكتاف ! وكيف يطوف الجميع وكأنهم جسد واحد ! وكيف يَرِدون زمزم يغسلون بمائها ما عَلِق بأجسامهم من أدران في هذه الحياة ! وكيف يدعو الجميع وهم قد اجتمعوا من كل فجٍّ عميق دعاءً واحدا" ربنا آتنا في الدنيا حسنة ً وفي الآخرة حسنة وقِنا عذاب النار" .

  ثم ما هذه العذوبة في هذه العين التي تفجَّرت بين قدمَيْ طفلٍ ظل يبكي وأمه تدعو ! أهي عذوبة الدمع الذي سال من عيونه وهو نبي ابن نبي ! أم هي عذوبة الأمل والثقة بالله والتوكل عليه التي كانت تملؤ قلب تلك الأم ! وما هذه المحبة التي تفيض بها القلوب حتى إنها لتنسى كل الضغائن والأحقاد فتلقي السلام صادقاً بكل معانيه على مَن عرَفَتْ وعلى من لم تعرف ، وتبذل كلمات الحب حروفاً أو إشارات أو همسات إلى الجميع.

  إن البركة لتتنزل على الجميع ، وإن الأمن ليحيط بالجميع فترى الصورة التي رسمها القرآن الكريم للبيت العتيق رأي العين " إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدىً للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ".

  وظلت هكذا أياماً تروح وتجيئ إلى بيت الله الحرام حتى آن أوان الرحيل وأذن المؤذن بالركب أن اجمعوا أمتعتكم وعودوا إلى دياركم فوقفَتْ تودع تلك القبلة التي هامَتْ بحبها وبكت الليالي الطوال شوقاً إليها ثم سارت خارجة من المسجد الحرام ونظرها لايكاد يفارقها حتى اختفت وراء الأروقة وهي لا تدري كيف قادتها قدماها إلى ذلك وقلبها يبكي وروحها تئن وعيونها تذرف .

  فلئن كان البعد قد حجب الكعبة عن بصرها فإنه لن يحجبها عن بصيرتها إن شاء الله فهي قبلتها دائماً وأبدا يفيض قلبها بحبها وتتوجه إليها خمس مرات في اليوم راكعة ساجدة مبتهلة ، ترتوي من نهر الرسالات الذي نبع منها وتستضيئ بالنور الذي يشع منها وهي تعيش دائماً على أمل اللقاء بها إن شاء الله .    

علق باستخدام فيسبوك

تعليقات