انا احبك ، انا اوصيك ….

115 views0

   فلا احسن من الوصايا، و لا اجمل من النصائح، خاصة إذا كانت من محب، يمليها الرشد، ويعضدها البرهان، وهذه وصيتي اجتهدت فيها حسب قدرتي، علها أن تصادف قلبا قابلا لها، و أذنا صاغية إليها، فتقع موقعها، و تؤتي أكلها ولو بعد حين. و الله – سبحانه – أسال أن ينفع بها.

اوصى اولا أن يكون الشاب متوازنا في أموره، لا يطغي جانب من جوانب حياته على جانب آخر، فللوالدين حق عظيم، فرب قبلة على كف والد أسقطت تبعات من الذنوب و الفواحش من الآثام.فأوصي ببر الوالد والوالدة، و أن يكون العبد خادما لهما طائعا لأوامرهما ، يلتمس رضا الله برضاهم.

و أوصى بحسن الخلق مع الناس، وليعلم أن الله سبحانه من حقه أن يرجي في عباده ، وان يخاف وينفع فيهم، لانهم عياله، فاحب الخلق إلى الله انفعهم إلى عياله، وليلن كلمته، وليبسط وجهه لعباد الله، وليكف عن أخطائهم، يصبر على زلاتهم، ويخالطهم في نفعهم،

ثم أوصى بان تكون أعمال الشاب خالصة لوجه الله، ولا يتم إلا باستحضار النية في كل عمل، و في كل طاعة، و في كل تصرف، فيجدد نيته في كل وقت، وفي كل عام، فإذا أراد أن يقوم بعمل سال نفسه هل هو لله أو لغيره سبحانه وتعالى؟ ، ثم يبدأ بتحديث نفسه بهذا الشعور، وهذا هو المقام الذي فرق بين الأولياء والعصاة، فكم من عمل حولته النية إلى طاعة لله قربة، و كم من طاعة تحولت بسوء النية إلى مخالفة لا يؤجر عليها العبد.

وليعلم الشاب انه من تراب، وليتذكر نسبه ومن أين أتي، ولينظر في اصل خلقته و ضعفه ومسكنته وقلة حيلته، و قصور علمه، و محدودية قوته، ثم ليخضع ولينكسر بجبروت الله عز وجل، وليأسف و ليتذكر- إذا غرته نفسه- ذنوبه وتقصيره ومعاصيه.

ثم أوصى بنزع الحسد من القلب بحيث يكون صدر الشاب سليما، خاليا من الغل، و من الغش، محبا لعباد الله المؤمنين كبيرهم وصغيرهم، ناصحا لهم، شفوقا عليهم، عطوفا بهم.

و أوصى بحسن مظهر الشاب، فان الله طيب لا يقبل إلا طيبا، والله جميل يحب الجمال، فليعتن بظاهره كما يعتني بباطنه، و ليكن حسن الثياب، و أن كانت بيضا فهي احسن، وليلبس ما يلبسه الناس، فلا يلبس لباس المترفين الذي يلفت الأنظار إليه ويدعو الأبصار إلى رؤيته، ولا يلبس لباس المبتذلين المترمقين الذي يزري به و بين أقرانه وإخوانه، ويشهر به، فيقال له هذا عابد، أو زاهد، أو متقشف، بل عليه بالوسط الذي يلبسه أوساط المسلمين بحيث لا يلفت النظر إليه، ولا يدعو إلى استغراب، و لا إلى عجب من لباسه، و عليه بالآداب العامة في حياته، و ليكن قدوة في الخير مرتبا منظما، كل شيء عنده بنظام منذ أن يصبح،بتنظيم أوراقه ووضع كل شيء في موضعه، و دقة وقته، واستيقاظه، و نومه، وتناوله للطعام، و قراءته، وممارسة ما باح الله له سبحانه وتعالى، فليكن في نظام، وفي حسن هيئة، و حسن رائحة ، وحسن مظهر، مع الاقتصاد وعدم الإسراف، و ترك التبذير و المخيلة.

و عليه أن يراعي الآداب الدقيقة الشرعية، كطرق الباب عند الاستئذان، فلا يزيد على ثلاث، ولا يقف أمام الباب فيكون نظره إلى البيت بحيث إذا فتح صاحب الدار فاجأه بالنظر، و إذا دخل فليسلم، و ليخلع حذاءه في مكانه الخاص به، و ليدخل بهدوء، وليجلس حيث أجلسه صاحب المنزل، ولا يذكر أعراض الناس ولا يعرض بهم، و لا يكثر من الحديث، و لا يأتي في وقت لا يزار فيه كبعد صلاة العشاء، أو قبل الفجر، أو بعد صلاة الظهر، إلا بإذن صاحب المنزل، و لا يطيل المكث إلا لمصلحة، أو إذا علم من صاحب البيت الأنس، و ليترك فرصة لمن يحاوره بالكلام فلا يستأثر بالمجلس، ولا يمدح نفسه، و يذكر إنجازاته و أعماله، و لا يهون من شان الآخرين، ولا يكثر من الضحك، ولا يسرف في المزاح، وإنما بقدر، و ليحرص أن يكون في المجلس فائدة أما بآية أو حديث ، و ليذكر الناس بذكره سبحانه وتعالى، و بنعمه، و الصلاة على رسوله، ولا ينسي كفارة المجلس، و حبذا إذا رأي في المجلس حديثا غير مناسب أن يغيره بهدوء و برفق، كان يدخل في قصة أو يجر الحديث برفق إلى موضوع مهم، ويحفظ لسانه فلا يتعرض لسلطان ولا عالم ولا داعية ولا كبير ولا صغير إلا بالخير، وليحترس من جلسائه ولا يأمن الناس على دينه أو يستأمنهم عليه، بل يفوض أمره إلى الله عز وجل، و أن يكون قصير الأمل مقتصدا، و يعلم أن الخطوة التي يمشيها ربما لا تتم بخطوة أخرى، و أن الأمر أسرع من ذلك، و أن الموت قد يفاجئه، فليستعد بتوبة، و ليجدد إيمانه دائما، و أن يقضي الديون التي عليه للناس، و يتحلل من الإساءات التي ألحقها بالآخرين، فيطلب العفو إلا في الغيبة فإنها قد تثير عليه وتوغر صدر من اغتابه فليستغفر له ويكفي.

و أوصى بان يكون للشاب مكتبة فيها من احسن الكتب ، من الأدب الراشد و الثقافة الواعية ما يجعلها أنساً له وبديلا طيبا عن كل جليس، فانه علم بالاستقراء  والتجربة انه مهما جلست مع إنسان و استأنست به و برحلة أو بنزهة أو بوسيلة من الوسائل، فانك لن تجد أمتع – بعد طاعة الله تعالى – من الكتاب، و خير جليس في الزمان كتاب.

و أوصى بحفظ الوقت حيث يكون للثانية أو الدقيقة ثمن باهظ عند للشاب، فلا يصرفها إلا في طاعة، فان الدقيقة الواحدة قد تسعده وتسكنه بجوار الله سبحانه في جنات الخلد، وتحل رضوان الله عليه فلا يفرط في وقته فهو اعز من الذهب والفضة، و ليكن شحيحا بساعاته و دقائقه و ثوانيه، و ليصرفها في ذكر أو تدبر أو قراءة أو صلاة أو تأمل أو نفع مسلم أو شفاعة أو مباح يعين على طاعة الله، و على الشاب أن يكون له جلسة مع نفسه في اليوم و لو لنصف ساعة أو اكثر أو اقل ، و يعد لمستقبله، و يقدم على ربه، و ينكر علاقته بالناس، فان العزلة فيها من التفكر و اصطياد الخاطر و جلاء الذهن ما الله به عليم.

و أوصى الشاب باعتزال الشر وفضول المباحات، فما بقي إلا حاسد أو شامت أو متلمس لغلطة أو ثقيل أو بغيض أو متربص أو من ينقل الكلام أو أحمق أو متكبر أو سيئ الأدب، و حل ذلك في عزلة، و لكن عزلة نافعة مع القرآن، أو مع دواوين السنة والفنون الأخرى، أو مع الأهل، أو مع الصالحين، و يوجد من الناس من فيهم خير و طاعة وتقوي، يزيدك الجلوس معه إيمانا بالله عز وجل ، و طاعة له، و قربا منه سبحانه وتعالى.

 و أوصى بالقيام على أهل البيت من الزوجة و الأبناء والمحافظة على تقواهم، واتقاء الله فيهم، والقيام بالرعاية الشرعية الصحيحة، و الإشراف على تربيتهم، و تخصيص وقت لازم لهم في تناول الطعام و الجلوس والإفادة و النزهة،  ولا يغفل عن بيته فان بعض الناس عندهم من الشرود و الانشغال بالفضول وترك الأصول ما يتسبب في فساد عريض في الدنيا و الآخرة، فليخصص وقتا لا بد منه، و ليكن خلوقا مع أهله ضحاكا بساما مزاحا، قريبا منهم مؤنسا لهم، فانهم أحق الناس به، و حق الأهل مقدم على حق الآخرين، و الأقرب فالأقرب، و الاقربون أولي بالمعروف.

و أوصى الشاب أن يتقي الله فيما يقول، فلا يكون عيافا ولا سبابا، ولكن عليه بتطهير لفظه وانتقاء كلماته، ولا يعرف بجماعة ولا جمعية ولا عالم ولا مسئول، ولا داعية ولا كبير ولا صغير، بل يكون مصلحا في كلامه، ملتمسا رضا الله عز وجل في قوله، يشيد بالخصال الحميدة في الناس، و الجوانب المشرقة فيهم، ويتغافل عن زلاتهم و أخطائهم، كما قال الأول:

ليــس الغنـــي بسيــد في قومــه

                          لكــــن سيــد قومـه المتغــابـــي

و أحذر من ضياع الوقت، والانهماك في المعاصي، و رؤية الأفلام الخليعة، و المشاهد المضرة، و الأغاني الماجنة، و الانهماك في لذائذ النفس ولو كانت مباحة، لان الإسراف فيها يعطل الحقوق، ويمنع الواجبات، و يضعف النفس، و يغضب الرب، و يقتل الوقت، ويذهب المال، وينسف الجاه، ويذل الرقبة، و يرغم الأنف. فالله الله في تقواه سبحانه وتعالى في السر و العلن، فان ذنوب الخلوة يكشفها سبحانه وتعالى للناس ولو بعد حين. ومن اسر سريرة رده الله سبحانه وتعالى إلى تلك السريرة، أن خيرا فخير، و أن شرا فشر.

و ليجتنب الشاب الكتب الضارة التي فيها الدعوة إلى الكفر والإلحاد، أو التشكيك في الإيمان، أو ضياع الأزمان، أو القصص الواهية الموضوعة المكذوبة،و الغرائب و العجائب التي لا سند لها ولا صحة، وليجتنب كتب الأدب التي أسرفت في الفاحشة و الهوى وذكر الغرام، و الهيام، و المجون، و الإعراض عن طاعة الله، والعشق، و نحو ذلك، فإنها تفسد القلب فسادا عظيما لا يرجي شفاؤه، إلا أن يشاء الله، إذا تاب العبد و أناب وعاد إلى الله. فان حب الغناء وحب الزور و حب الفواحش لا يجتمع مع الإيمان والقرآن في قلب واحد، و المحظوظ من وفقه الله.

علق باستخدام فيسبوك

تعليقات