الإنشاد الديني ينافس قنوات الأغاني

117 views0

 تمكن الإنشاد الديني – الذي بدأ بتلحين الأدعية ومدح الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- وتطور على يد المتصوفة المصريين من عبور حاجز الخاص إلى العام الإنساني الذي يخاطب النفس البشرية التواقة للخير ويحمل الفن الهادف شعارا له، متخليا عن القوالب الجامدة التي أسس لها في بداية التسعينيات لتظل حكرا على الإسلاميين ومحتكرا لقصائد رفع همة الأمة والدعوة إلى الجهاد ونصرة المسلمين المضطهدين في جميع بقاع الأرض.
فالإنشاد اليوم خضع -كما كل حياتنا- إلى منطق الصورة ووقع فريسة هاجس الاستمرار والانتشار الذي يلزمه ركوب موجة الفضائيات التي تبحث عما تقدمه، فخرج من عباءته التقليدية إلى فضاء السموات المفتوحة على آخرها من حيث الشكل والمضمون، وفتح الطريق لظهور قنوات متخصصة للإنشاد أفسحت لها مكانا في الزخم الإعلامي لتجد الجمهور الداجن الذي يلتقط كل ما تقذف به الفضائيات إليه من ألحان مصورة أيا كان انتماؤها.
 

فلم يعد من المنفر أن تظهر إحدى الأغاني المتحررة بعد أغنية لأحد المنشدين.. فقد أصبح الإنشاد قريب الشبه بالغناء المتعارف عليه بعد أن فتح ذراعيه ليضم أطيافا مختلفة ومتنوعة من القوالب، وسمح بدخول العديد من الجنسيات والمرجعيات والأهداف المتباينة، خصوصا مع تزايد جماهيرية الغناء الديني على مستوى العالم الإسلامي. 

عامل آخر ساهم في تشكيل الوجه الجديد للإنشاد ليبدو أكثر مواكبة للبث الفضائي، وهو خروج الإنشاد من حيز الجماعة أو الخلفية الإيديولوجية التي كانت تحكمه وتحدده، وهو ما أثرى مواضيعه بالحياة الإنسانية بكل تفصيلاتها الدنيوية والأخروية التي ربما تتماس مع المنطقة التي ظلت محرمة وهي العاطفة بين الرجل والمرأة كما حدث في ألبوم مصطفى محمود الأخير والذي تلقى على أثره انتقادات حادة من المتشددين. 

فقد ظهر العديد من المنشدين في الفترة الأخيرة الذين لا ينتمون لجماعة دينية معينة، بل هم يقومون بالإنشاد كتطور لقراءتهم للقرآن، مثل محمد العزاوي الذي احترف الإنشاد بعد عمله لسنوات كإمام مسجد، ليصبح اليوم واحدا من نجوم فضائية "شدا" الإنشادية. 

تميل الأنشودة إلى الإرشاد الاجتماعي الذي يحاول تفعيل دور الفن في المجتمع لخدمته ولمساعدته على التقدم، وهو الدور الذي برز فيه المنشد مشاري بن راشد الذي يبث من خلال قناته الخاصة التي تحمل اسمه (العفاسي) عددا من الأناشيد التوعوية بخصوص الحفاظ على المياه وترشيد استخدام الكهرباء مع العديد من الأناشيد التي تطرق موضوعات حول العلاقات الاجتماعية مثل عقوق الآباء والجيران.  

وبرغم أن الجدل ما زال مستمرا حول دخول الآلات الموسيقية إلى الإنشاد وما زال البعض يقف موقفا متشددا من الموسيقى، غير أن الرغبة في تسويق الأنشودة في مقابل أغنية جعل الأنشودة تستعين بالتكنولوجيا الحديثة في تقديم خلفيات صوتية باستخدام نغمات بشرية أو نغمات إلكترونية للبعد عن شبهة الآلات الوترية. 

وساهمت التكنولوجيا الحديثة التي وفرت الأجهزة القادرة على تسجيل الصوت ودمجه وتغيير نغمته في تطوير شكل الأنشودة وزيادة الإنتاج منها، فالأمر أصبح يسيرا جدا يمكن تنفيذه بأقل كلفة ممكنة وعن طريق أفراد، ربما في المنزل، والسوق مفتوحة على العالم عبر شبكة الإنترنت الفاغرة فاها لاستقبال كل شيء. 

ولهذا نجد زيادة ملحوظة في عدد المواقع الإلكترونية والمنتديات الإسلامية التي يتداول أعضاؤها فيما بينهم ما ينتجونه من أناشيد، فتنتشر كما النار في الهشيم. وهو الذي يدفع كل منشد أن ينشئ موقعا إلكترونيا على الشبكة العنكبوتية لسهولة النقل عنه، وكوسيلة ترويجية لمنتجه لا تكلفه الكثير، كبديل أوفر من الفيديو كليب. 

قنوات متخصصة 

ومع هذا لا يمكن إخراج الأغنيات الدينية التي تتضمن موسيقى من حيز الإنشاد الديني، فهي لها الفضل في زيادة جماهيرية الأنشودة، نذكر الثورة التي أحدثها ظهور شريط سامي يوسف الأول – رغم أنه كان باللغة الإنجليزية – من شهرة واسعة ربما لم يكن يحلم بها سامي نفسه، وهو ما جعلها متداولة على الشاشات الأرضية والفضائية وحققت معجزة جماهيرية من خلال حفلات الإنشاد التي كانت -في مصر على الأقل- مقتصرة على الموالد أو إحياء الليالي المحمدية. 

فالأغنية الدينية أصبحت على قدر عال من الجودة، سواء في اختيار الكلمات أو الألحان أو الموسيقى المصاحبة، لتنافس بشكل جاد الغناء العاطفي، وتصبح بديلا له ثقله يسحب البساط من تحت الغناء الذي لا يملك سوى الصورة ليعتمد عليها في جذب الجمهور. 

علق باستخدام فيسبوك

تعليقات