الحرم الجامعي العراقي … واقع وتحديات

1٬743 views0

بقلم يحيى العراقي و عبدالرحمن الاسدي

في زمن قريب مضى، كان مستوى الدراسات الجامعية العراقية متقدماً على باقي الأقطار العربية، وكان الطلاب العرب يقصدونها بحثا عن العلم والمعرفة في جامعات بغداد ومعاهد العراق.
أما اليوم وللأسف فقد اختلف الواقع كثيرا عن قبل فقد ظهرت تحديات وصعوبات جديدة للطالب والأستاذ الجامعي بعد سقوط النظام السابق اغلبها عصفت بواقع التعليم وأضعفت مستواه حيث أصبحت الشهادة الجامعية العراقية من اضعف الشهادات على مستوى الدول العربية والأجنبية لكن رغم ذلك لم يستسلم الطالب العراقي بل استمر على طريق التعليم الذي ينهض بالشعوب آخذاً بالمقولة:(إنما السلاح سلاح العلم).
الأستاذ الجامعي:
لقد كان الأستاذ الجامعي سابقا يعاني من ضغوطات النظام السابق الذي فرض على الأساتذة الدخول في حزب البعث وحرمانهم من حرية التعبير عن الرأي كما كان يعيش وضعا اقتصاديا صعبا وذلك لان معاشه الشهري لم يكن يكفيه لدفع أجور المواصلات.
و بعد سقوط النظام السابق في السنوات القليلة الماضية تحسن الوضع ألمعاشي للأستاذ الجامعي لكن بنفس الوقت تدهورت ظروفه الأخرى بشكل متفاقم وغير مسبوق حيث ظهرت له مشكلات جديدة أبرزها تمثل بالوضع الأمني المتدهور جدا وتفاقم الأزمات وقلة الخدمات والفساد التعليمي.
لقد نال الأستاذ الجامعي حصته الكبيرة من العنف حيث قتل وخطف واعتقل منذ عام 2003 ولحد الآن مئات الأساتذة الأكفاء فيما هاجر الآلاف منهم إلى دول الجوار والدول الأجنبية للبحث عن ملاذ لهم هناك حيث برزوا بشكل ايجابي ومميز في بلدان المهجر وذلك بسبب توفر الظروف الملائمة لهم ومستوى علمي جيد لكنهم للأسف يخدمون بلدان لا ينتمون إليها .
أما بالنسبة لحرية الانتماء والتعبير عن الرأي فقد شهدت تغيرا ملحوظا بعد سقوط النظام السابق حيث حدث انفتاحا كبيرا سواءاً في الفكر أو التعبير عن الرأي حيث توجه عدد من الأساتذة الجامعيين إلى العمل السياسي والمؤسساتي والحزبي حيث أن عددا غير قليل منهم ينتمون إلى أحزاب فاعلة سواء كانت حكومية أو غير حكومية أو يمثلون فكر جديد على الساحة بينما اظهر البعض منهم ولاءات للجماعات المسلحة .
إن قلة عدد الأساتذة الجامعيين أدى إلى ظهور جيل جديد من الأساتذة للتعويض عن النقص الحاد في الكادر التعليمي ولكن بخبرة اقل مقارنةً بالأساتذة الكبار الأكفاء الذين وجدوا أنفسهم بين خيارين أحلاهما مر أما البقاء بالوطن ويعني (الموت) أو الهجرة إلى خارج القطر والعمل لبلدان أخرى على حساب الوطن.
واقع الطالب الجامعي:
لا يختلف وضع الطالب الجامعي العراقي كثيرا عن وضع الأستاذ حيث أن الوضع الأمني وتردي الخدمات والطائفية هي من أعظم التحديات التي واجهها الطالب العراقي منذ سقوط النظام السابق والذي وقع بين ضغوط الاسرة التي تخاف عليه من القتل وضغوط الكلية التي تطالبه بالدوام وضغوط الطائفية التي يعاني منها داخل كليته والتي تعد من أهم مشاكل الطالب الجامعي.
بالإضافة إلى كل هذه المشاكل أصبح أمام الطالب الجامعي العراقي خيارات اخرى حيث لجأ عدد من الطلاب إلى الانتماء إلى الأحزاب والتكتلات والترويج لها داخل الحرم الجامعي كما لجأ الآخرون إلى اختيار خط العنف حيث اشتهرت بعض الكليات في بغداد بهذه الظاهرة بعد أن انتمى عدد من الطلاب إلى هذه التنظيمات المسلحة و أصبحوا يعملون في هذا المجال داخل الحرم الجامعي مما أدى إلى تفاقم الأزمة داخل الجامعة الواحدة.
اما مستوى الطالب العلمي فقد وصل ادنى مستواه في السنوات الخمس الاخيرة لعدم سير الدوام بشكل طبيعي طوال هذه السنوات وازدياد نسبة الغش والرشوة وغياب فكر الطالب عن واقع الدراسة بسبب العنف.
أما اليوم وبعد استقرار الوضع بشكل نسبي بدأ الطلاب يعودون إلى كلياتهم التي غابوا عنها وخاصة في السنتين 2006- 2007 بسبب سيطرة المليشيات على هذه الكليات وبدأت هذه الكليات استعادة عافيتها تدريجياً بانتظار أن يعود المستوى العلمي لها كما كان سابقاً.
التعليم:
لقد كانت عجلة التعليم تسير بطريقة صحيحة و جيدة  في زمن النظام السابق، لكن تغير واقع التعليم بعد عام 2003 وانحدر انحداراً غير مسبوق وخاصة بعد أن كانت سنة 2007 هي أسوأ سنة تعليمية بتاريخ العراق.
إن ضعف المستوى العلمي و الفساد التعليمي له عدة أسباب أهمها:
1.    قتل وخطف وتهجير الأساتذة الجامعيين مما أدى إلى ضعف وقلة الكادر التدريسي وانشغال الأساتذة والطلاب بالأزمات المتتالية على حساب الدراسة الجامعية.
2.    بروز مشكلات لم تكن فاعلة بشكل كبير في زمن النظام السابق مثل الغش و رشوة الكادر التدريسي وبيع الأسئلة مقابل مبلغ كبير من المال.
3.    ضعف دور الرقابة التعليمية على الجامعات والكليات والمعاهد والتي من المفروض أن تتولاها وزارة التعليم العالي.
4.    ظهور المليشيات والتنظيمات المسلحة وبروزها داخل الحرم الجامعي مما أدى إلى إخلال الأمن داخل الحرم الجامعي حيث خطف احد الطلاب على بعد مئات الأمتار من مجمع باب المعظم .
5.    ضعف أداء بعض الأساتذة بسبب استغلالهم للوضع الفوضوي داخل الحرم الجامعي .
6.    الازدحامات المرورية والانغلاقات المتكررة للشوارع والانفجارات وبعد الكليات عن الطالب هي احد أسباب ضعف الدوام وضعف توجه الطالب للكليات.
7.    انتخاب الاتحادات الطلابية على أساس طائفي وليس استحقاقي حيث أصبح كل اتحاد يمثل طائفة معينة أو حزب معين.
8.    عدم نزاهة لجنة قبول الطلاب في الكليات وخاصة عام 2007 أدى إلى دخول طلاب إلى كليات مثل الطب والهندسة رغم معدلاتهم الضعيفة وذلك بعد دفع رشوة لهذه اللجنة.
9.    التدخل السياسي من قبل بعض السياسيين للسيطرة على عمادة بعض الكليات أو تعيين رؤساء جامعات على أساس حزبي.
10.  انحسار جامعات المحافظات على أبناء المحافظة فقط وذلك بسبب العنف     الطائفي حين أن ابن البصرة لا يستطيع الدراسة في جامعة الموصل وابن الموصل لا يستطيع الدراسة في جامعة البصرة وكذلك الحال بالنسبة للمناطق في محافظة بغداد.
11. معظم المناهج العلمية قديمة وتقليدية و لا تواكب العصر. 
الحرم الجامعي بين الطائفية و الهيمنة السياسية
 سني، شيعي ،كردي، مسيحي، الكروب الفلاني للسنة ،الكروب الفلاني للشيعة ،هكذا أصبح الوضع وهكذا أصبحت التسميات داخل الكلية الواحدة بل داخل الصف الواحد وأصبح هذا الموضوع يثير مشاكل وجدال وتفرقة بين طلاب الصف الواحد لكن هذا الوضع لم يستمر طويلا حيث أصبح الطالب العراقي ينتقد ويرفض كل شخص يدعوا إلى الطائفية أو يحرض عليها وفي نفس الوقت يحب كل شخص أو فكرة توحد بين الطلاب حيث قل الاحتقان الطائفي الذي بلغ أوجه في عام 2006-2007 بشكل كبير وخاصة بعد استقرار الوضع الأمني بشكل نسبي وملحوظ عام 2008 .
كما لم تسلم الجامعات والكليات والمعاهد العراقية من محاصصة السياسيين الطائفية وسعيهم للسيطرة عليها وفرضها على أحزابهم التي يمثلونها .
لقد سعى الكثير من السياسيين العراقيين للسيطرة على الجامعات بعد فرض رئيس الجامعة من أحزابهم أو عمادة الكلية و الاتحادات الطلابية حيث أصبحت الكلية الفلانية يسيطر عليها الحزب الفلاني وعمادة الكلية الفلانية تسيطر عليها الطائفة الفلانية هذا الصراع وللأسف كان وما يزال ماثلاً على واقع الجامعات العراقية رغم تحسن الوضع الأمني واسترجاع بعض الكليات عافيتها ورغم انحسار العنف الطائفي  حيث أن السياسيين ليس من شأنهم الارتقاء بمستوى الجامعات العراقية إلى الأفضل بل همهم الوحيد هو السيطرة عليها لصالح أحزابهم. أن لسان حال الطالب العراقي يقول: اريد أن أعيش حياتي الجامعية كما يعيش بقية الطلاب في الدول الأخرى المتحضرة واريد أن أتخلص من قيود الطائفية والحزبية الضيقة والتفرقة وان اخلص لهذا الوطن وان انشر المحبة والاخوة بين جميع الطلاب.
نأمل أن يتعلم السياسيون أن التغيير من واقع الجامعات العراقية والارتقاء بمستواها العلمي هو انفع من فرض السيطرة عليها لنشر الفكر أو العولمة التي يؤمن بها هؤلاء السياسيون.
وقفة همة ..
هناك مثل صيني قديم يقول " لا تلعن الظلام .. وانما انر شمعة " فهناك تقارب كبير بين المثل الصيني وبين واقعنا المعاصر وما يمر به شبابنا الجامعي بالاخص في مثل هذا اليوم ، فالظلام يمكن ان يمثل الوضع الامني او الوضع السياسي الذي جعلها السياسيون كلهيب النار يتكوى بها شبابنا واساتذتنا الجامعيين ، او يمكن ان يمثل الثقافة الاسطورية اوالعقلية السلبية وهو الاخطر في هذا الوقت بالتحديد ان ينتشر بين عقول شبابنا ويغزوا فكرهم .. كالماء الراكد الذي يعكر صفوة الماء الزلال .
لكن من الخطا القاتل ان نجعل الماضي المظلم سجن لنا او حارسا على حريتنا او مالكا لها ولا يمكن ان يرتبط بالمستقبل الذي سيبنيه شبابنا الجامعيين واساتذتنا العلميين .
فهنا نشعل الشمعة لننير بها طريق مجدنا ومستقبل بلدنا سوية .. لا فرق بين سني وشيعي وعربي ومسيحي وتركماني الا بحب هذا الوطن والعمل من اجله فهو يشبه خلية النحل تماما .. وجامعاتنا مرتع خصب يضم بين جدرانه طلاب يجتهدون ويعملون من اجل عراقتهم واصالتهم وحبهم لوطنهم فكانوا صروحا فكرية ودعائم ثقافية وبنيان علمية .. فنحن نشعل الشمعة بدل ان نلعن الظلام.  
عوامل النهوض ..
ان عوامل النهوض بمستقبل الوطن وخاصة الحرم الجامعي الذي يعتبر الركيزة الاساسية والركن الاوحد في تهذيب وتدريب وتعليم وصقل وانضاج واذكاء عواطف العلم ومشاعر الفكر وافاق التميز وسماوات الابداع لا يمكن ابدا بالمرة ان يتم بين ليلة وضحاها ، لكن بالاجتهاد والصبر والعمل الدؤوب ..
ويمكن تحديد بعض هذه العوامل الحاكمة في عملية النهوض بالحرم الجامعي وهي :
1.    احترام قدسية اساتذتنا الجامعيين وتقدير جهودهم العلمية واستثمار افكارهم البناءة .
2.    الاعتناء الاكاديمي والعلمي والوظيفي والاداري بطلبتنا الجامعيين واستثمار طاقاتهم .
3.    ان تكون جامعاتنا خاضعة للدولة دون سيطرة حزب او طائفة .
4.     ترسيخ الايمان بأن التعليم الجامعى أداة السيطرة والتحكم والتوجيه لمستقبل الشباب .
5.     استثمار الطاقات الشبابية وتربية الموهبة العلمية وصقل وإنضاج الكفاء الفكرية .
6.     تنمية ثقافة العمل الجماعى والشبابي في الجامعة والعمل سوية دون تمييز طائفي .
7.     تطوير الأداء العلمى والفنى والإدارى للقائمين على العملية التعليمية والإدارة الجامعية ككل .
8.     تطويرالإدارة الاستراتيجية الجامعية بما يحقق سرعة اتخاذ القرارات بين المستويات الادارية .
9.    تطوير الحرم الجامعي بما يخدم طلابنا وتطوير الابنية الجامعية واعمارها بشكل حضاري .
10.     تطوير اجراءات النقل الداخلية والخارجية لخدمة طلابنا واساتذتنا .


واخيرا ،  فان عملية النهوض بالحرم الجامعي يستدعي منا أولا التسلح بالمسؤولية العلمية وما يحتاجه وطننا من طاقات ثقافية وجهود فكرية انطلاقا من فكرة الإيمان العميق بواجبنا كشباب عراقيين هو الوحيد في هذا الزمن القادر على خلق الفكرة وبلورة الهمة وصناعة الإبداع وإنتاج التميز وإحياء العقيدة العلمية ونشر الثقافة الإنسانية .. فقط  .. لأننا قادرون وكفى .
 

علق باستخدام فيسبوك

تعليقات