تقرير : اطفال مشردين من لهم ؟

2٬040 views0

اطفال

يعرف قانون الاحداث رقم 76 لسنة 1983، “المشرد” بأنه كل حدث لم يتجاوز الـ15 من العمر ويعثر عليه من دون مرافقة ولي أمره وهو يتسوّل في الاماكن العامة، او يمارس متجولا مهنة مثل صبغ الأحذية او بيع السكائر، او اية مهنة اخرى تعرضه للجنوح. كما اعتبر القانون الحدث “مشردا” اذا لم يكن له محل إقامة معين او اتخذ الأماكن العامة مأوى له ولم تكن له وسيلة مشروعة للعيش، او ترك منزل وليّه من دون عذر مشروع. شيء من هذا التعريف ينطبق على هدى واخواتها اللواتي  يقضين لياليهن كل يوم او اسبوع في مكان حيث تحدثت هدى كنا نعيش في منزل، ولكن خلال العنف الطائفي قُتل والدي ولانعلم من قتله او حتى السبب، تركتهم والدتهم وبقي الاطفال وحدهم لايعلمون أين ذهبت أمهم أما اقرباءهم فلم يتكفل احد منهم بايوائهم الأمر الذي تركهم وسط الشارع ومخاطره يبحثون عن لقمة هنا وعمل هناك لقضاء يوم وانتظار آخر بكل متاعبه واخطاره.

ضعف التأهيل الحكومي
ما الذي فعلته الحكومة في كيفية التعامل مع المشاكل الاجتماعية، تركت الاطفال مشردين في الشوارع أيتاماً بلاماوئ يستغلهم الارهاب وعصابات منظمة بكل سهولة. تقول مديرة دور الدولة للاطفال الدكتورة عبير الجلبي : ان الدولة لديها دور لايواء الاطفال المشردين وتعمل على تأهيلهم من اجل دمجهم بالمجمتع بشكل يستطيعون العيش مع الجميع. مبينا: انه ليس من السهل تحويل المشرّد الى شخص سوي وهو من كان يتخذ الشارع مسكنا له وتأثر بالاطباع السيئة والمنحرفة. متابعة: لذلك دور الدولة مفتوحة لايوائهم وادخالهم في ورش عمل تؤهلهم للحصول على مهنة بعد خروجهم منها وبلوغهم سن الرشد.
التشرّد وإساءة معاملة الأطفال كانت موجودة قبل عام 2003 حيث يقول الدكتور النفسي علي حميد والذي سبق وان عمل مع منظمات غير حكومية تهتم بالطفل: لدينا عمل شاق لاعادة بناء المجتمع العراقي من خلال اعادة بناء البنى التحتية للانسان. موضحا: ان المجتمع العراقي ينظر الى الاطفال المشردين بسوء وخشية متناسيا ان اغلبهم ضحايا الحرب والارهاب.

العنف حطم المجتمع
بعض الاطفال المشردين يستخدمون المخدرات في العلن وبعضهم ينام على الرصيف دون يشعر بشيء ومنهم عبد الله 15 عاما الذي صحا من نومه العميق على أحد الارصفة التي سكنها واتخذه ماؤى منذ سنين حتى اسمه اطلقه عليه احدهم، عبدالله وجد ضالته في حبوب الكبسلة والمخدرات التي يشتريها بعد ساعات التسوّل او طلب المال من بعض الاشخاص او تقديم بعض الاعمال لاصحاب الفنادق الواقعة في ساحة الطيران.
يقول الباحث الاجتماعي والخبير القانوني أحمد العباسي ان العنف والارهاب في العراق حطم المجتمع وفكك الكثير من الأسر. موضحا: ان عدد الأطفال المشردين يتزايد بشكلا مخيف. مردفا: من العيب ان يتحمل هؤلاء الاطفال اخطاء الكبار وحروب الحكام والتطرّف الديني الذي جعلهم يتسوّلون في الشوارع امام انظار المسؤولين الذي يغضون النظر عنهم. مبينا: ان الكثير منهم يقع في حالات أكثر بؤسا، فتصيدهم شبكات العاملين في الدعارة والمخدرات والعنف، المحظوظ منهم من يجد له ملاذا في المؤسسات الحكومية. المعنية بالاطفال والايتام.

مسؤولية منظمات المجتمع المدني
يقول عدي حميد ناشط في مجال حقوق الانسان بين : من حق الاطفال التعلم والعناية الصحية التي تقدمها الدولة. مبديا أسفه: على تزايد أطفال الشوارع او المشردين لأسباب عدة في مقدمتها الارهاب والعنف الذي نتج عنه تفكك أسري رمى بالكثير من الاطفال في الشوارع. مضيفا: كما نجد ان معظم الأطفال الذين يعملون في الشوارع خاصة في اشارات المرور او قرب السيطرات الامنية ليسوا أيتاما بل الفقر جعلهم يعلمون وسط ظروف صعبة جدا.
واسترسل حميد بحديثه: الكل يتحمل المسؤولية الحكومة اولا منظمات المجمتع المدني التي تنال دعما كبيرا لكنها لاتؤدي مسؤولياتها بشكل صحيح. مضيفا: ان انتشار الاطفال وسط الشوارع وفي المناطق الخطرة يجعل منهم اهدافا سهلة للقتل او العوق او الانخراط في المجاميع الارهابية او الخارجة عن القانون. مشددا: على انهم وصمة العار التي تلحق بالمجتمع الذي يرضى بتشرد الاطفال وتعرضهم للخطر خاصة في الاستغلال الجنسي من قبل بعض ضعاف النفوس.

يجلسون على الرصيف
عفراء طفلة في التاسعة من عمرها، تقف في احدى الاشارات المرورية في منطقة الكرادة، تقول ابي متوفي وامي لاترى أنا واخوتي نوفّر الطعام وايجار البيت في احد العشوائيات. على مقربة منها اخوتها الاكبر منها سنة وسنتين. أما في تقاطع المسبح وما ان تقف السيارة حتى يهرع العديد من الاطفال والصبيان منهم من يستجدي واخر يحاول كسب مبلغ من خلال تنظيف زجاج السيارة وثالث يطلب المال لمعالجة أمه مثلما يدعي.

الطفولة ومستقبل البلاد
بسبب بعض الاكراهات الاسرية يفضل الطفل الشارع على البيت وربما يهرب دون عودة خاصة اذا صادف اطفالا بعمره تجمعهم بعض الاشياء، الباحث الاجتماعي ايهم حسين عد ظاهرة تشرد الاطفال من الظواهر الاجتماعية الخطيرة التي تعاني منها الكثير من المجمتعات غير المستقر امنيا واقتصاديا. مبينا: انها تمس فئة عمرية فتية ومهمشة ومقصية من الاندماج بشكل طبيعي وسليم داخل الحياة الأسرية اولاً من ثم المجتمع عامة بالتالي يكون مصيرهم الشارع وما يخلفه.
وأضاف حسين: تتنوع مظاهر التشرّد والاقصاء والحرمان في عالم الضياع المظلم الذي يلفه الغموض ومخاطر جمة تحوم حول الاطفال تدفع الكثير منهم الى دخول عوالم الجريمة. منوها: ان ظاهرة التشرّد استفحلت بشكل مهول ومرعب في غياب رعاية اجتماعية ونظام حكومي يهدف الى خدمة ورعاية الطفل. داعيا: الجهات المسؤولة الى بذل المزيد من الجهود في سبيل الطفولة التي تعد مستقبل البلاد.

أعمال خطرة تهدد حياتهم
وفقا لتقارير الأمم المتحدة واليونيسيف، يعمل الأطفال في المتاجر التجارية وفي غسل السيارات، وتلميع الأحذية، وتنظيف القمامة من الشوارع. واغلب الأطفال يعملون كباعة للسجائر والحلوى والطعام والمشروبات الغازية، وأشرطة الفيديو الإباحية، والفواكه والوقود والملابس المستعملة، وغير المرغوب فيها. كما أشارت التقارير الى عملهم في اماكن الطمر الصحي ورمي النفايات وجمعهم المتبقي من المأكولات او بقايا الحاجيات المرمية. كذلك عملهم في مناطق خطرة مثل معامل الطابوق والاسفلت بسبب قلة الأجر الذي يتقاضونه.
خرج ولم يعد
اما حسن الذي لم ينه الرابعة عشرة من عمره يقف على رصيف الشارع ينتظر وقوف السيارات أملاً في بيع ما يحمله لأصحابها مرة علب كلينكس واخرى كماليات للسيارات وثالثة حلويات يحصل عليه من بعض اصحاب المحال هبة او تسديد ثمنها بعد البيع يقول: توفي والدي قبل سنوات في حادث مروري وترك وراءه خمسة أولاد أنا اكبرهم سنا، لم يكن والده يتقاضى أجراً كبيراً من عمله، ولعدم قدرة أمه دفع إيجار المنزل الصغير الذي كان يؤويهم إضطرروا السكن في خيمة بسيطة تحيطها صفائح مملؤة بالتراب بالقرب من مكب النفايات في احد اطراف بغداد. حسن واخواته لعدم قدرتهم على توفير مصاريف الدراسة تركوا مقاعدها ونزلوا الى الشارع للعمل. مبينا: ان احدهم خرج ذات يوم للعمل منذ قرابة سنتين ولم يعود الى الان دون معرفة أي شيء عنه.

السبعينيات العراق الافضل
عام 1970 كان العراق واحدا من أفضل البلدان في الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا في رعاية وحماية الاطفال لكن بسبب عقود من الحرب والإهمال أصبحت واحدة من أسوأ البلدان. وحسب تقارير عالمية يوجد في العراق حوالي 16 مليون طفل (نصف عدد السكان). ويعاني اكثر 1.5 مليون طفل تحت سن الخامسة من سوء التغذية، وحوالي اكثر من 700 الف طفل غير مسجلين في المدارس الابتدائية، في حين أن هناك مئات الآلاف من المتسربين قبل التخرج، وهناك تقارير أخرى محلية صادرة من العراق تؤكد بأن نسبة التسرب وصلت الى المليون طالب. فضلا عن مليون طفل لا يحصلون على المياه المأمونة وحوالي 800000 طفل تتراوح أعمارهم بين 5 و 14 عاما يعملون.
سبعة في المئة من سكان العراق يعاني من الجوع أو الحرمان من الطعام. على الرغم من أن مستويات سوء التغذية آخذة في التحسن، وأكثر من واحد من كل خمسة أطفال في العراق (22 ٪) الذين تقل أعمارهم عن خمس سنوات لا تزال تظهر في توقف النمو (5 ٪) يعانون من الهزال (9 ٪) يعانون من نقص الوزن.

الاجراءات الحكومية الفاشلة
الباحث الاجتماعي عبد الرزاق أحمد محمود ذكر  ان هذه الظاهرة تحولت من مشكلة على نطاق ضيق نسبيا قبل سنين الى ظاهرة واسعة الانتشار. معزيا سبب ذلك الى فشل الاجراءات الحكومية في ايجاد الحلول المناسبة لها او الحد من انتشارها. موضحا: ان أطفال الشوارع يتعرضون لشتى انواع الاستغلال من الاكبر منهم سناً او ممن يأويهم في شتى الاماكن وذلك لعدم قدرتهم على المقاومة ورد الاساءة. مشيرا: الى تفشي الامية بينهم لعدم دخول اغلبهم بالمدرسة أو تركها لاسباب اقتصادية او عقابية من قبل ذويهم.

لايدخلون دور ايواء الدولة
وزارة العمل والشؤون الاجتماعية أكدت أنها تبذل ما بوسعها لإدخال المشردين والمتسولين في دور الإيواء التابعة لها في عموم البلد إلا انها تجد صعوبة في ذلك اذ قال مدير إعلام دائرة الحماية الاجتماعية بالوزارة، سالم تكليف، إن لدى الوزارة 6 دور للإيواء بالعاصمة بغداد، فضلاً عن دار واحدة في كل محافظة، مشيراً إلى أن هنالك لجنة مشتركة بين الوزارة ووزارة الداخلية لإيداع المتسولين في الشوارع بتلك الدور. مضيفا: أن المشكلة التي تواجهها الدائرة تتمثل بعدم وجود قانون يُجبر المتسوِّل على دخول تلك الدور، خاصة أن الأطفال منهم مرتبطون بجماعات ويتخذون من التسوّل مهنة لهم، مبيناً: أن الوزارة تعمل جاهدة على مساعدة الفقراء والأطفال المشردين والأيتام، ولديها فريق من باحثين وإعلاميين يعمل على ذلك منذ عام 2011 بحثاً عن العوائل الفقيرة والمتسولين لجلبهم إلى دور الإيواء.

تعديل قانون الرعاية الاجتماعية
ميسون العزاوي معلمة متقاعدة تحدثت عن ظاهرة التشرّد وكيفية الحد منها قائلة: ان القضاء على التشرد يحتاج الى تضافر الجهود الحكومية وتنفيذ القانون ووسائل الاعلام ايضا. مشددة: على ضرورة توفير فرص عمل من اجل القضاء على البطالة. داعية: الى توفير السكن المناسب وتعديل القانون الذي لا يسمح ببقاء المشرّد الذي يبلغ من العمر ال 18 ويخرج بعدها الى الشارع دون عمل او تأهيل حقيقي. مبينة: ان الكثير من فقرات قانون الرعاية الاجتماعية غير منفذة ومنها ما يحتاج الى إعادة النظر بها من جديد وفق متطلبات المرحلة وما يعيشه المواطن العراقي من محن وماسٍ تحتاج من الحكومة والجهات المسؤولة الى العمل بكل طاقاتها الممكنة من اجل بناء جيل قادر على تحمل المهام.

علق باستخدام فيسبوك

تعليقات