غزو عمراني يجعل بغداد تعيش فوضى !

1٬511 views0

بغداد

أزمة السكن التي تفاقمت حدتها بعد العام 2003، دفعت الكثير من المواطنين إلى السكن في المباني الحكومية التي تعرض البعض منها لضربات جوية، إضافة إلى التجاوز على الاملاك العامة والخاصة وانشاء العشوائيات في غالبية المحافظات العراقية والتي وصل عددها حسب وزارة التخطيط الى قرابة 5000 عشوائية، في وقت يستمر إيجار المنازل والشقق في الارتفاع وبخاصة بعد سيطرة تنظيم (داعش) على العديد من المحافظات وما رافقها من عمليات نزوح جماعي إلى مناطق آمنة في البلاد.
وبسبب عجز الحكومة عن حل ازمة السكن لجأ الكثير من اصحاب البيوت في بعض المناطق التي تشهد كثافة سكنية الى شطر البيت وبناء مشتملات بمساحات صغيرة، او تشييد عمارة تضم عددا من الشقق السكنية منها ما يباع بسند “طابو” واخر بسرقفلية وثالث يؤجر.
تصميم تجاري للشقق
منطقة الكرادة التي تعد من أهم أحياء العاصمة بغداد، اخذت تفقد بعضاً من خصائصها  والمتمثلة بالبيوت البغدادية المهددة بالزوال بعد أن استحالت العشرات منها الى بنايات “غير قانونية” تضم عددا من الشقق بمساحات صغيرة يفتقد الكثير منها لشروط السكن الملائم. يتم بيع هذه الشقق بأسعار تحسب على أساس قربها من الشوارع الرئيسة في منطقة الكرادة اذ تترواح مابين 100 الى 200 مليون دينار، بعضها بمساحات من 80 الى 100 متر مربع.
نوار محمد ،موظف يسكن احدى هذه الشقق، ذكر انه بعد زيادة ايجار الدار التي كان يسكنها قرب محطة ابو اقلام، اضطر للبحث عن مسكن جديد، حتى وجد ضالته في بناية على مقربة منه. مضيفا انه شاهد اعلانا عن وجود شقق سكنية حديثة للايجار واتصل على رقم الهاتف المدون واتفق معهم.  وعن جودة البناء ومدى ملاءمة السكن فيها ذكر محمد: البناء حديث كما ترون لكنه يفتقد للكثير من من شروط السكن خاصة عازل الصوت، فما يدور في شقة جارك تسمعه وكأن الحديث يدور في شقتك وبالعكس، لافتا الى المساحة الصغيرة للشقق وتصميمها التجاري.

التجاوز على التخطيط العمراني
عن ذلك ، يقول عضو لجنة التخطيط الستراتيجي في مجلس محافظة بغداد محمد الربيعي : إن الفترة الأخيرة شهدت اتساع ظاهرة بناء العمارات السكنية عموديا، بشكل مخالف للمعايير والقوانين. منوها الى استغلال مستثمري القطاع الخاص وجود ثغرات في قانون الاستثمار رقم 13 لسنة 2008 المعدل. كما استغلوا عجز الحكومة عن بناء وحدات سكنية نظامية للمواطنين، مشيرا الى  انهيار التصميم الأساس للعاصمة بغداد والتخطيط الحضري والعمراني لها، بسبب تلك التجاوزات.

ضعف القانون والغرامات
واضاف الربيعي: أن مستثمري القطاع الخاص بدأوا بتشييد العمارات السكنية على قطع أراضٍ تبلغ مساحتها من نصف دونم إلى أكثر من دونمين. مبينا: أن أغلب تلك المباني مخالف للمعايير والضوابط التي تضعها أمانة بغداد، حيث يعمد المستثمر إلى بناء عدد طوابق يفوق العدد الذي حددته له أمانة بغداد. مشددا على أن المستثمر يدرك جيداً أن القانون ضعيف ولن يفرض عليه أية عقوبات جراء ارتكابه مخالفات باستثناء دفع غرامات بسيطة جداً، قياسا بالإرباح التي يحققها من بيع الشقق التي تتراوح أسعارها من 100 – 200 ألف دولار.

رشوة فرق التفتيش
واكد عضو لجنة التخطيط الستراتيجي في مجلس محافظة بغداد: أن بعضهم يلجأ إلى رشوة اللجان التفتيشية التابعة لأمانة بغداد، ليغضوا النظر عن المخالفات التي يرتكبونها. موضحا: أن قانون البلديات رقم (169) حدد عدد طوابق المباني بحسب نوعها ورقعتها الجغرافية. مستطردا : بالإضافة إلى توفر شروط أخرى كمساحة الشارع وعدم وضع نوافذ تطل على المنازل السكنية القريبة من المشروع، ومراعاة التصميم للذوق العام والتصميم الأساس للعاصمة. لافتا الى: أن أغلب العمارات السكنية المستحدثة لا تراعي الذوق العام ولا التصميم العمراني لبغداد.

إيقاف الزحف السكاني
واسترسل الربيعي: أن ذلك سيؤثر بشكل كبير على البنى التحتية والتصميم الأساس في بغداد، الذي بات يتعرض لتشويه كبير ما يتطلب منا وضع تصميم جديد للعاصمة، مطالبا بإيقاف الزحف السكاني نحو العاصمة، داعيا الحكومة وصندوق الإسكان ووزارة الإعمار والإسكان وهيئة الاستثمار ومحافظة بغداد إلى بناء مجمعات سكنية خارج العاصمة لحل مشكلة الاكتظاظ السكاني ، مبينا: ان بغداد بحاجة إلى 240 ألف وحدة سكنية لحل المشكلة.

غرامات وتشريعات رادعة
العمارات السكنية المرتفعة التي انتشرت في مناطق العاصمة، اقرت أمانة بغداد بعدم “نجاعة” غرامتها المالية في ردع أصحاب تلك المشاريع، وطالبت بـ”تشريعات رادعة” . اذ يقول المتحدث باسم أمانة بغداد حكيم عبد الزهرة : إن الأمانة سمحت للمواطنين بالبناء العمودي لثلاثة طوابق، بينما منحت موافقات لبناء أكثر من ثلاثة طوابق للبنايات التجارية والصناعية. مؤكدا أن أمانة بغداد تشجع على البناء العمودي، لكن وفق القانون والآليات.
واستطرد عبد الزهرة أن أغلب العمارات السكنية المشيدة حالياً داخل أزقة وأحياء بغداد مخالفة ولم تحصل على موافقات رسمية، مقرا: بأن الغرامات المفروضة على البنايات العمودية المخالفة، غير ناجعة، في حال تم اكتشاف المخالفات، مطالبا بتغيير بعض التشريعات والقوانين لتكون أكثر صرامة، ورادعة.

77 مشروعاً سكنياً في بغداد ؟
مواطنو العاصمة بدأوا باللجوء إلى الشقق السكنية المخالفة التي كبديل عن الوحدات السكنية التي تحتاجها بغداد، والتي تقدرها هيئة الاستثمار بـ”مليون وحدة” سكنية، وفيما تؤكد الهيئة وجود 77 مشروعا سكنيا لها في العاصمة، كشفت عن سيطرة “عصابات ومافيات” على قطع أراضٍ وتقسيمها وبيعها في أكثر من 50 موقعا. حيث ذكر رئيس هيئة استثمار بغداد شاكر الزاملي  أن العمارات الحديثة والتي تبنى في مناطق متفرقة من العاصمة بغداد، هي ملكية خاصة والهيئة غير معنية بها. موضحا:  أن المشاريع السكنية التابعة للهيئة بلغت نحو 77 مشروعا سكنيا في بغداد.
وأضاف الزاملي: أن اغلب تلك المشاريع هي قيد الإنشاء بسبب الأوضاع التي يمر بها البلد منذ عام 2015، مؤكدا: أن المشاريع المنجزة بلغت 16 مشروعا، في حين ان هناك مشاريع متوقفة بسبب تجاوزات مواطنين وتأخر بعض التصاميم. مشيرا إلى جملة المشاكل التي تعاني منها المشاريع المشتركة بين وزارتي الدفاع والمالية.

مافيات تسيطر على الأراضي
وكشف رئيس هيئة استثمار بغداد عن قيام عصابات ومافيات باحتلال وشق أراضي وتقسيمها وبيعها، في حدود (50) موقعا في العاصمة. مؤكدا أن الهيئة أشرت قبل مدة وجود عمليات بناء لوحدات سكنية بحدود (200) دونم في منطقة الزعفرانية من قبل أولئك المتجاوزين. مشددا أن بغداد بحاجة إلى أكثر من مليون وحدة سكنية. مشيرا إلى أن التخطيط والأفكار لتلك الوحدات موجودة، لكن ما يعرقلها هو الوضع العام للبلاد.
ويبين الزاملي أن ما تم الشروع به من مشاريع سكنية يصل إلى حدود (450) ألف وحدة سكنية، من ضمنها مجمع بسماية الذي يضم (100) ألف، بالإضافة إلى (30) ألف وحدة سكنية ضمن (16) مشروعا.

هدم البنايات المخالفة ومعاقبة المتهاونين
“تشويه” العاصمة والتجاوز على المعايير وقوانين أمانة بغداد ما زال مستمرا ومتفاقما منذ 2003 كما تؤكد لجنة الخدمات في مجلس النواب، والتي تعهدت بتشريعات “تهدم” البنايات المخالفة وتعاقب “المتهاونين”. اذ تقول عضو لجنة الخدمات النيابية صباح التميمي  إن بغداد تتعرض لتشويهات عمرانية منذ عام 2003 ولغاية الآن. مبينة: أن اللجنة وبالتنسيق مع مجلس بغداد وأمانة بغداد بصدد وضع تشريعات تنص على هدم أي بناء في العاصمة يخالف القانون وتغريم المخالف. لافتة الى أن لجانا ستشكل للتحقيق في المخالفات العمرانية، ومعاقبة أي مسؤول أو موظف يتهاون مع المخالفين.

180  ألف وحدة سكنية سنوياً
النمو السكاني الكبير والذي يقدر بمليون نسمة سنويا يحتاج إلى (180) الف وحدة سكنية إضافية في كل عام لتغطيته بحسب خبراء، فيما أكدوا أن انتعاش قطاع العمران في البلاد سيحرك الاقتصاد ويساهم في القضاء على البطالة و”تجفيف الإرهاب”.الخبير الاقتصادي باسم أنطون اشار  :  إن قوانين العقار غير مشجعة للمشاريع العقارية لذلك هناك تخلف كبير في مجال العقار. مشددا: أن العراق يحتاج لنحو ثلاثة ملايين وحدة سكنية مضيفا: أن النمو السكاني في العراق يقدر بنحو مليون نسمة سنويا، ما يحتاج إلى (180) ألف وحدة جديدة في كل عام. مردفا: أن مشكلة السكن ستتفاقم إذا ما تركت دون حل، ليتطلب حلها بعد (25) عاما (250) ألف وحدة سكنية سنويا.
ويرى الخبير الاقتصادي أن انتعاش قطاع البناء والعمران في العراق سيحرك عجلة الاقتصاد، على اعتبار أن كل وحدة سكنية تحتاج الى عدد من العمال والحرفيين المهرة. مبينا: ان انتعاش سوق العقار سيسهم بتشغيل وإحياء عدد من المهن والحرف الامر الذي يساعد بالقضاء على البطالة والفقر وتجفيف الإرهاب.

مقترحات وحلول ولكن
تعاني العاصمة بغداد من نقص كبير في المجمعات السكنية، بالرغم من المباشرة بعدد من المشاريع كمشروع بسماية الذي يضم 100 ألف وحدة سكنية، ومشروع بوابة العراق في مطار المثنى، ومجمعي الأيادي في منطقة الخضراء، والعدل السكني في منطقة حي العدل، غربي العاصمة، ومجمع الزهور في منطقة النعيرية، شرقي العاصمة، ومشاريع أخرى صغيرة، فيما توقف أغلب المشاريع السكنية بسبب الأزمة المالية التي تمر بها البلاد. المهندس الاستشاري عقيل كاظم التميمي اقترح  بعض الحلول لأزمة السكن والمحافظة على التخطيط العمراني للعاصمة بغداد كأن تقوم مؤسسات الدولة باستثمار الاراضي التابعة لها ببناء وحدات سكنية لمنتسبيها بعد دفع مقدمة لبناء هذه الوحدة وتقسيط باقي مبلغ الوحدة السكنية من الراتب. متطرقا: الى امكانية توزيع أراضٍ وبمساحات 25 دونما للمهندسين الاستشاريين لبناء وحدات سكنية بعد اعداد تصاميم خاصة بها مع منحهم قروضا من البنوك الحكومية يتم توزيعها للمواطنين بالاقساط. مضيفا: كما يتم توزيع الاراضي الزراعية المحاذية والممتدة للاراضي السكنية الموجودة في أطراف بغداد والمحافظات وبمساحات لاتتجاوز الـ (100) متر مربع تبنى باسلوب البناء واطئ الكلفة وبمساحات بناء لاتتعدى (70) مترا مربعا والباقي تكون كراجا او حديقة .

علق باستخدام فيسبوك

تعليقات