أقرأ كثيرًا في كتب التنمية البشرية، لكنها لا تغيرني .. لماذا؟..اليك الجواب

911 views0

Handsome young business man with a laptop and colleagues at the background

من ضمن الأسئلة التي يسألها الطلبة، سؤال “أقرأ كثيرًا في كتب التنمية البشرية، لكنها لا تغيرني .. لماذا؟”

إجابة هذا السؤال تنقسم لمحورين :

1. كتب التنمية البشرية.

2. آلية التغيير.

أولًا : كتب التنمية البشرية

في فهمي بحسب ما خبرت من مختلف أنواع القراءات في التطوير الذاتي أن ما يسمى بـ “التنمية البشرية” لا يعد علمًا حقيقيًا، و لا يبني وحده ثقافة متكاملة الأركان، بل هو يمثل جانبًا معلوماتيًا يفتح ذهنك لأمور و مفاهيم إن أحسنت تطبيقها نفعتك، مثل مهارات التواصل، و اختلافات التعامل و التفاهم بإختلاف السن أو الجنس، طرق تخطيط الأهداف و تنظيم الوقت .. إلخ .

كل ما سبق و خلافه يظل “كمًا معلوماتيًا” مجرد القراءة عنه لا تعني إطلاقًا أنك تخلقت به أو تغيرت بسببه بل حد هذه الكتابات – في أغلبها – هي أنها تعرّفك .

و بحسب تجربتي و ما وصلني من تجارب آخرين فالسبب أنها كثيرًا ما تتوقف بك عند الكم المعرفي فحسب، أو تسبب لديك فورة وقتية لا تلبث حرارتها أن تخمد ثم تنطفئ ، أنها لا تولّد لديك ما يكفي من الطاقة الدافعة للعمل بما قرأت ، فهي – في كثير منها – تمتعك بقصص و تعطيك “خلاصات” أو أوامر مباشرة (في صورة نصائح) لكنها لا تبين المنطق النفسي و المنشأ الأصلي و الجذور للإشكالات التي تعتمل في نفس المرء و دواخله و هذا المنطق هو الفيصل في توليد القناعات، حيث القناعة هي بوابة التغيير الدائم الراسخ.

و هذا يقودنا إلى الشق الثاني من سؤالك: لماذا لا أتغير؟

و قد قصدت إعادة صياغته هكذا بدلًا من “لماذا لا تغيرني؟”

لأن القاعدة التي بغيرها لا يكون تغيير هو أنك أنت مالك زمام نفسك، و ليس لشيء أن يغيرك إلا أن “تقتنع” أنت “فتعمل” أنت به، فالمؤثرات الخارجية دورها :

1. أن تعرض عليك منطقًا.

2. تدعوك بناء عليه – المنطق –  لفعل.

وحدك تملك قرار الاستجابة بحسب ما اقتنعت، و من هنا كان المرء مكلفًا و محاسبًا على أفعاله و قراراته و اختياراته الحياتية، بعد أن بين الله لنا سبيل الرشاد، و السبل الأخرى الحائدة عنه.

هذان العاملان أعلاه هما معيار الحكم على المؤثرات الخارجية من حيث قدرتها على التأثير.

فما العوامل الداخلية التي تظل حاجزًا أمام التغيير حتى بعد الاقتناع بجدواه؟

1. الإيمان :

بعد الاقتناع العقلي ستقر بصحة هذا الفعل أو ذاك، لكنه إقرار كإقرارك بأهمية اللبن و عزوفك عن شرب كوب كل صباح مثلًا. لماذا؟ لأنك لم تستشعر “الحاجة”، فهناك فرق بين الاقتناع بأهمية أمر أو صحته  و هذا المدخل العقلي ؛ و استشعار حاجة المرء إليه و هذا المدخل القلبي. فأنت لا تأكل مثلا لأن “الطعام مفيد لجسم الإنسان” كما تعلمنا كتب العلوم  بل لأنك حين تجوع لا تملك إلا أن تستجيب لتلك الحاجة.

فلنقل مثلًا إنك قرأت عن مهارات التواصل الفعال، أو كيف تحسن أخلاقك ؛ لن تستطيع حقا أن تستفيد بما قرأت إلا عندما تكون مستشعرًا لحاجتك لتحسين تواصلك مع الناس، فتكون كالمريض الباحث عن دواء و مستعد لتجربة كل ما يقدم له مما اقتنع به، حتى ينفعه أحدها، أما أن تقرأ أو تتصفح لأن الموضوع مهم أو الأمر ممتع أو القصص تحفيزية  فسينتهي بك المطاف في فورة مؤقتة لا تلبث أن تزول، فتكون صفات الحلم و الصبر و طيب الكلام و كظم الغيظ و خفض الصوت .. إلخ، مجرد عوارض طارئة في شخصيتك لا أخلاقًا تخلقت بها حتى صارت لك طبعًا.

2. السياق المتكامل:

فما تنفعك القراءة عن الوقت و تنظيمه و لا رؤية لديك لأهداف نافعة تريد تحقيقها؟ و ما تنفعك اللباقة مع الناس و أنت لا تعامل أهلك بالحسنى؟ و ما تغني عنك مهارات العرض و التقديم بغير قلب حي يعايش ما يتكلم به اللسان، فيحول المبادئ و الأفكار من عرائس شمع إلى روح تدب فيها الحياة؟

السياق المتكامل يعني أن ترتب أولوياتك، كتب التنمية البشرية تنبهك دائمًا إلى ترتيب أهدافك لأولويات، لكن الحق أن أولوياتك نفسها بحاجة لترتيب أخص و أهم  و إلا ستشعر بالانفصام بين الوجوه العديدة التي تظهر بها و الأقنعة التي ترتديها لكل حال. فهل تبحث عن خلق لموقف أم تسعى للتخلق و التطبع به دومًا؟

و إنه من قلة فقه الأولويات أن يغرِق المرء قائمة أهدافه بتغيير العالم و التأثير في الناس و توحيد الجهود .. إلخ، و هو غير قادر على تغيير يومه و تنظيم أوقاته – يكفي الاستيقاظ مبكرًا و تقليل ساعات النوم و التلفاز!، و لم يتلفت لتأثر قلبه بما يتعلم قبل تعليمه للناس، و أسرته مفككة و أبواه غير راضييْن عنه و إخوته في قائمة المهملات!

3. الصبر و الدأب :

رحلة المرء مع ذاته تطويرًا و تحسينًا و تنمية لا أقول من أطول رحلات حياته، بل هي رحلة حياته ذاتها. فمن الوهم استعجال كل شيء في ذات الوقت و تمني الوصول إلى “قمة” التغيير التي ليس وراءها مزيد!

فلا غنى و الحال كذلك عن نفس طويل متأن متقبل لحقيقة أنه في كل يوم بل مع كل نَفَس هنالك دائمًا شيء أحسن يمكن تعلمه و قيمة مضافة أتخلق بها، و الصبر هو جوهر الوصية النبوية: “”إنما العِلم بالتعلّ، و الحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يُعطَه، و من يَتَوَقَّ الشر يُوقَه”.

 فلابد من الصبر بيقين أن الله لا يضيع أجر عامل، و أنه مهما بدا لك أن المنال عسير فإنك بتوفيق الله وعونه لابد ستحصّله ما دمت تجتهد و تستعين بالله.

و الدأب هو الجد و الاستمرار في الفعل حتى يصير عادة، فالصبر لا يعني بحال القعود عن العمل، و كذلك لا تجدي طريقة الأرنب الذي قطع نصف السباق عدوًا و نام في النصف الثاني! لكن كما علمنا رسول الله(صلي الله عليه و سلم): “أحب الأعمال إلى الله أدومها و إن قل”، فحفظ بضع آيات يوميًا مع فهمهما والعمل بها، خير من إجهادها بسور طويلة تتلوها كقائمة أخبار.

تجنب تمامًا أن تعيش “مشحونًا” لأنك ستكون بالضبط كمن يأكل وجبات 3 أيام في وجبة واحدة، ظنًا منه أن ذلك سيوفر عليه، لكن الحاصل أنه يؤذي نفسه  و لا ينتفع “بالحشو” شيئًا.

 إننا نستعجل “الوصول” إلى شيء ما لا نتوقف حتى لنسائل أنفسنا ما هو؟ في حين أن ما نحن مطالبون به حقيقة هو أن “نحيا” لا أن “نصل”، أن نحيا بما نؤمن به و نجتهد أن نثبت عليه و في كل يوم إضافة جديدة “نحياها”  و ليس “نكومها” على رف الإنتظار، إن العيش بطريقة الشحن للوصول تعني أنك ستعيش حياتك منتظرًا أن تحيا و لا تكاد تبدأ في رفع الستار حتى يأتيك الختام!

===============

ختامًا تذكرة بالوصية النبوية :

“إحرص على ما ينفعك، و استعن بالله و لا تعجز” [صحيح مسلم]

معيدة بكلية الألسن

 جامعة عين شمس

image001.jpg

علق باستخدام فيسبوك

تعليقات