الريح في شرعة المحبين

110 views0

 الريح تحرّك كل ساكن، وتلاطف كل حس، وتخلق اعتقاداً راسخاً بأن كل شيء قابل للتغيير، موافقة لقولهم: إذا هبت رياح التغيير.

قُلْتُ:

هَبَّتْ نَسَائمُ وَجْدِكَ بي فاسْتََبَانَ

فتعالتْ صَيْحَاتُ قلبي بِكَ زمانا

وَتَعَلَّلتُ فيــكَ شَــوقاً فَاقَ المكانَ

فَتَخَفّيـْــتُ حتى أغواني الأمان

الرِّيحُ عند أهل اللغة: نَسِيم الهواء، وكذلك نَسيم كل شيء، وهي مؤنثة، والعرب تقول: لا تَلْقَحُ السحابُ إِلاَّ من رياح مختلفة. والسحاب في عرف الواصفين خيراً ونماءً، ودليل تتابع الشوق وازدياد دفقه.

لن نتعرض في هذا المقال لافساد الريح معايش الناس، بل نحاول أن تتبع ما ينتج عنها لغة من علائق في نفوس المحبين، فالدمع إذا ما ذرفه المحب على وجنتيه صار في المشابهة كأَنه غُصْنٌ مرِيح مَمْطُور، يحاكي شدة الوجد، وتباريح الشوق.

وراحَ الشجرُ إذا ما وجَدَ الريحَ وأَحَسَّها، أضحى كتمايل غُصْن البانِ، وهو ما يعبر عنه مشابهة تثني خصر المحبوب غنجاً ودلالاً، فيأخذ للجمال ملعباً ومرتعاً.

والمَرْوَحة، بالفتح: المَفازة، وهي الموضع الذي تخترقه الريح، كالغصن إذا غالبته الريح، فلا يزال يتمايل يميناً وشمالاً، ثم يتدلى في هبوط من نَشْزٍ إلى مطمئن، ويماثله في ذلك الخصر حركة وسكنة وهدأة.

وراحَ رِيحَ الروضة يَراحُها، وأَراح يُريحُ إِذا وجد ريحها. والروضة هنا وريحها، يعبر عنهما بلغة المحبين بالحبيبة وعطرها، حيث ينثال عبقها في النفس، فيتذكره الحبيب أبداً حتى يأخذه إلى دائرة الهيام.

والرَّوْحُ: بَرْدُ نَسِيم الريح، وهو ما يعبر عنه بطيب الرائحة المنبعثة من الأعطاف وسائر الجسد، فيخلق تمازجاً بين المحبين، تطيب له الأنفس، وتلذ بالقرب ودواعيه. والرَّوْحُ من معانيه الأخرى الاستراحة من غم القلب، وهو ما يعبر عنه بالفَرَح الذي يأتي بعد هم الفراق وأحزان البعد.

والأَرْيَحِيُّ: الذي يَرْتاح قلبه للنَّدى سروراً، وهو ما يعبر عنه في عرف المحبين عن ذاك الذي يقابل الإحسان بمثله، والشوق بأحسن منه. وكذا الحال في تصريف الكلمة، فراحةً وأَرْيَحِيَّةً ورِياحةً : فالمعنى يماثله من أَشْرَق له وفَرِحَ به، وأَخَذَتْه له، إحساناً، وتوفيقاً، وشوقاً.

والرِّياحَة : أَن يَراحَ الإِنسانُ إِلى الشيء فيَسْتَرْوِحَ ويَنْشَطَ إِليه، وكذا المحب الذي تعلق بمحبوبته، فهو يأنس بها، ويرتاح إليها، ويتوق للقرب منها بكل إحساس، وروعة تعبير.

والرُّوحُ: النَّفْسُ، يذكر ويؤنث، والجمع أرواح. هذا لغة أما شرعاً، فلا يعلم كنهها إلا الله عز جل. انتهى. ويقال في عرف المحبين: روحان في جسدٍ، والمعنى أنهما تمازجا حبّاً وقرباً، حتى أصبحا كذلك، وهو من أجمل التعابير في التوافق العاطفي.

تداعب الريح خصلات المحبوبة، فتلامس خداً أملس، تلاطفه تفريقاً، وتخلق جمال الصورة في تحركها.

وتلاعب اريح الصبا النفس، فتدفعها دفعاً لتلمس الرقة والجمال في الخلق، وتزرع البشر والتفاؤل.

إنها الريح في تقلب هبوبها، وطيب نسائمها، محل اعجاب واطناب لدى الواصفين من الأدباء، وأصحاب الصنعة، ولعلنا في هذه العجالة كشفنا عن بعض أسرارها في دنيا المحبين.

علق باستخدام فيسبوك

تعليقات