المسحــراتي … نكهة رمضانية تعاند النسيان

298 views0

17-7-2014-S-07-1

  

مشتــــاق الفــراتي  

 يرتبط شهر رمضان الكريم لدى المسلمين في جميع بقاع العالم بكثير من العادات والتقاليد الموروثة وهي في الأغلب توارثت عبر الأجيال من خلال عملية السلوك المكتسب ، وهي بذلك تتنوع بين بلد وآخر ومجتمع وآخر ففي جميع البلدان الإسلامية هنالك ما يميز هذا الشهر الكريم عن سواه ، في بلاد الرافدين ما إن يطل الشهر الكريم إلا وترى هنالك أشياء أستجدت على اليوميات الشعبية لأزقة ومحلات المدن العراقية والعاصمة بغداد ، فمن لعبة المحيبس إلى أكلة الزلابية إلى الفطورات الجماعية ومن ثم حصة الليل من هذه التقاليد هي المسحراتي ، والمسحراتي هو رجل واحد وربما يرافقه واحد أو اثنان  وفي الأغلب يكون متطوعا ليجوب الطرقات بعد الساعة الثانية ليلا وعمله إيقاظ الناس لكي يعدوا السحور قبل أن ينادي المؤذن بالإمساك ، وعادة ما يستخدم في مهنته الطبل مع بعض المقاطع من قصائد أو أناشيد نبوية مغناة أو جمل قصيرة موزونة  .

 

لمحة تاريخية . .

  في الأزمان السابقة لم تكن تتوفر الوسائل البديلة عن المسحراتي مثلما هي موجودة في يومنا هذا فمنها الساعات ذات المؤقت والموبايلات والقنوات الفضائية التي يسهر على مشاهدتها أغلب الناس لحين وقت السحور ، ففي العهد الأول للإسلام كان الصحابي الجليل بلال الحبشي (رضي الله عنه ) يجوب المدينة بقراءة القرآن أو إنشاد بعض الأناشيد الدينية بصوته المعروف لدى أبناء مدينته في تلك الفترة ، وحينما يسمع الناس صوت بلال يبدؤون بإعداد الطعام إلى أن يؤذن عبد الله بن مكتوم حيث يمسك الناس بعد سماع الأذان ، ومن ثم توارث هذا التقليد لدى المسلمون من خلال المسحراتية والذين كانوا على مدى عصور الإسلام الماضية لا ينقطعون عن هذا التقليد لحين يومنا هذا ، حيث تطورت هذه المهنة ففي بعض البلدان الإسلامية يستخدم فيها بعض الآلات الموسيقية والأناشيد والأغاني الدينية ، وفي تركيا تم تدريب عدد من الفتيات للقيام بهذه المهمة كدليل على مشاركة المرأة المسلمة في جميع مجالات الحياة وعلى الأخص ما يتعلق بشهر البركة .

 

مسميات عديدة . . والمسحراتي واحد

  في المجتمعات الإسلامية اختلفت تسمية العامل في هذه المهنة التي يكون مسك ختامها هو آخر يوم في رمضان ، حيث يطلق عليها في بلاد الشام والأردن بـ ( المسحراتي ) أما في العراق فيسمى ( المسحرجي ) اما في أرض الكنانة مصر العربية ودول الخليج فيطلق عليها أو على المشتغل بهذه المهنة بــ( القريقعان ) أو ( أبو طبلية ) ، كذلك في تركيا وفي بلدان العالم الإسلامي الغير عربية فله في كل بلد مسمى خاص فيه ، وعلى الرغم من الإختلاف في المسميات كما سبق ولكن يبقى المعنى واحد هو إيقاظ النائمين من أجل التسحر والتهيؤ ليوم جديد من الشهر الفضيل ، كذلك هنالك خصلة تخص المسحراتي تقريبا لا يختلف عليه أثنان هو أن هذه الشخصية محببة إلى النفوس وربما السبب في ذلك لسنوات الطفولة وما يتعلق فيها من تفاعل نفسي مع المسحراتي أو لارتباطه فيه هذا الشهر المقدس لدى المسلمون والذين لديه نكهة خاصة .

 

المسحراتي .. وخطورة الوضع الأمني

  بعد عام 2003 تدهور الوضع الأمني كثيرا ، اختفى هذا التقليد من شوارع العاصمة وأغلب المدن العراقية نتيجة لعدم وجود سلطة تؤمن الوضع وخصوصا في ساعات الليل حيث ساعات حضر التجول سارية المفعول لكن البعض من المسحراتية عاودوا الظهور في عام 2005 ، ومن ثم اختفت تمام في بين عامي 2006 _ 2007 نتيجة لموجات العنف وفقدان الأمان تماما من شوارع المدن العراقية حيث اختفت أغلب التقاليد الخاصة برمضان لما حصل من عنف طائفي أثر تأثيرا مباشرا على القيام بمثل هذه الفعاليات على الرغم من أنها قديمة جدا في المجتمع العراقي لما فيها من روح المحبة والتسامح وزرع روح الألفة والأخوة لدى أبناء المدينة أو المحلة الواحدة . ومن ثم بعد عام 2008 وبعد التحسن الكبير الذي طرأ على الوضع الأمني عادت الكثير من هذه التقاليد إلى الشارع العراقي وبدأت الكثير من القنوات الفضائية تغطي فعالية لعبة المحيبس وكذلك ترافق المسحراتي في جوب الطرقات في الليل لتكون دليلا على ذلك التحسن الذي طرأ.

 

الناس والمسحـــراتي

  أبو علي الكرادي كما يرغب أن يلقب يقول  “المسحرجي  مهنة عمرها ثلاثون يوم يتقاضى بعدها ما يجود فيه أبناء المحلة مما يعتبر كرد جميل لما قام به من جهود كبير خلال طيلة شهر رمضان المبارك ، منطقة الكرادة كواحدة من أي مناطق العاصمة تجدها بعد الساعة الثانية ليلا مليئة بالمسحرجية وأصوات الطبول والدفوف  والصلوات المحمدية (سحور سحور سحور يا عباد الله سحور )،(أكعد تسحر والباجر تحضر ) والكثير من العبارات التي يتم فيها القصد أظافة نكهة على عمله” .

 

  مـــاجد أبو طلة ..!!

  في جانب الكرخ في أبو تشير المسحراتي ماجد أبو طلة الذي أطلق عليه هذا اللقب لأنه مثل القمر يطل فقط في الليل وتحديدا منتصف الليل بأناشيده الجميلة وصوته العذب يحدثنا ” أشتريت طبلا جديدا وكافة وسائل المسحراتي وتهيأت منذ فترة قبل حلول الشهر الفضيل كون ان هذه المهنة أرتبطت بأسرتي منذ زمن بعيد فجدي ومن ثم أبي وانتقلت لأخي الأكبر ومن ثم لي ونحن نوقظ الناس كل رمضان ولدي علاقات وذكريات جميلة مع جميع أسر المحلة حتى أني في الكثير من الأحيان أتسحر مع  بعضهم نتيجة لبعد منزلي من بعض أطراف المحلة ، كذلك هنالك تعاون من قبل الناس معي كونهم من راغبي إستمرار هذا التقليد الذي أرتبط بالجميع منذ الطفولة ، حيث يصاحبني عدد من شباب وأطفال المحلة في كل ليلة  لحين أكتمال كل زيارة كل أزقة المنطقة ” .

 

  محاولات البقاء  رغم الأنتفاء  

  ربما من خلال الإستطلاع السريع الذي أجراه موقع عراقي على عينات مختلفة ومتباينة إجتماعيا ، من مناطق العاصمة بغداد ، وجدنا في نهاية المطاف أن الأغلبية تؤيد أن الوسائل الحديثة جعلت من هذه المهنة لا تمثل تلك الأهمية ولكن المجتمع يجمع على ضرورة الحفاظ على وجودها والعمل على ديمومتها لما لها من دور في تميز هذا الشهر الفضيل ولياليه عن سواه من أشهر السنة ، خاصة عندما يعيد أحد ما شريط الذاكرة وأيام الخير والمسحراتي والمحيبس وليالي بغداد الآمنة ، وكذلك وجود المسحراتي يجوب الشوارع ليلا ربما يعطي أنطباع وإرتياح لدى المواطنين بتحسن الوضع الأمني وتوفر نوعا ما من الآمان في ليالي المدن والأحياء البغدادية ، وفي نهاية المطاف ربما ستخلد هذه الظاهرة أو التقليد ما دام هنالك رمضان يصام وما دام هنالك مسلمون على وجه المعمورة .

علق باستخدام فيسبوك

تعليقات