عين على شارع المتنبي !

1٬227 views0

المتنبي

“كنت أقطع تلك المسافة القصيرة الملونة بين بيتنا وشارع المتنبي كل يوم جمعة. أشتري الكتب، وأرى الرجال في الشايخانة (المقهى) يتسامرون ويشربون الشاي الحلو والقهوة المرة. كانوا يجتمعون مساء كل خميس في ذلك المقهى ليستمعوا لأم كلثوم. صوتها كان يحتوي الزمان والمكان، يسكرنا مثل نبيذ الرمان، ويعلو كطائرة في السماء. أنا في انتظارك، تغني. وأنا أيضاً أنتظر من منفى إلى منفى. كنا ننام مع صوتها في الجنة”.

بهذه الكلمات تذكر النحات العراقي عوديد حالاهمي في معرضه الفني “الرمان” Pomegrante في منهاتن- نيويورك شارع المتنبي في أربعينات وخمسينات القرن العشرين في احتفالية نظمت لإحياء ذكرى صمود رمز الثقافة في بغداد أمام التفجيرات التي طالته في الخامس من مارس 2007 .

في كل عام تستعيد مؤسسات ثقافية وأدبية حول العالم ذكرى تفجير شارع الثقافة الأعرق في الشرق الأوسط الذي يمتد عمره لما يقرب من تسعة قرون. يقوم بتنظيم هذه الأمسيات تجمع “شارع المتنبي يبدأ من هنا” والذي تشكل عقب الهجوم على شارع المتنبي بسيارة مفخخة قتلت 30 شخصاً ودمرت مكتبات عديدة، منها المكتبة العصرية التي تأسست عام 1908.

على الضفة الشرقية لنهر دجلة يقع هذا الشارع الصغير. في منطقة باب المعظم التي يخترقها شارع الرشيد الشهير وسط العاصمة بغداد. يعبق كل شيء حول شارع المتنبي برائحة التاريخ، فقبل أن تصل إليه من ناحية النهر، تواجهك بناية القشلة المطلة على دجلة والتي كانت ثكنة عسكرية في أيام الدولة العثمانية. وفي مدخل الشارع، هناك على اليمين سوق مسقف بحارات ضيقة ودرابين متعرجة هو سوق السراي، وكان يُسمى قديماً بسوق الوراقين وهو الآن سوق للقرطاسية واللوازم المكتبية. على اليسار ينتصب مقهى الشابندر، المنتدى الأشهر في بغداد للكتاب والشعراء ورواد الفكر. في أرجاء هذا المقهى العتيق الذي تأسس عام 1917، تشعر بالتاريخ يجالسك وأنت تشرب استكان الشاي العراقي. على الجدران تنتشر صور بغداد منذ أيام العهد الملكي، وصور أشهر الشعراء والكتاب والسياسيين في العراق. وفي مقهى مُنعت فيه ألعاب كالطاولة والدومينو لتفسح المجال للنقاشات الفكرية والأدبية تشعر أن للكلمة قيمة وللفكرة وزناً.

من هنا يبدأ المشهد الأحب في كل يوم جمعة لرواد الثقافة ومحبي القراءة من أهل بغداد. على ضفتي الشارع تنتشر الكتب، تتوسد الأرصفة وتشغل عيون المارة بعناوينها المختلفة. فمن الكامل لابن الأثير، إلى شرح النسبية لآينتشين، واللا منتمي لكولن ويلسون، والدوامة لسارتر، وتاريخ الوزارات العراقية لعبد الرزاق الحسني.

في الخامس من مارس قبل سبعة أعوام، توقفت هذه الرئة عن التنفس، واختنقت برماد الكتب المحترقة على جانبي الشارع. هكذا فقد صاحب مقهى الشابندر أولاده الخمسة ضمن ضحايا التفجير.

شارع المتنبي في بغداد – تفجير الشارع

قرأ الشاعر والناشر الأمريكي والجندي السابق بو بوسولي Beau Beausoleil حينها خبر تفجير شارع المتنبي في بغداد، وشعر أن مكتبته الخاصة كان يمكن أن تكون ضمن ما احترق من مكتبات: “اختفت المسافة يومها بيني وبين العراقيين، لم أكن أختلف عن أي عراقي يعاني من تلك المأساة”. وهكذا قرر بوسولي أن يحشد المجتمع الأدبي في العالم ليعيد إحياء شارع المتنبي كرمز ثقافي وأدبي يتجاوز الحدود. هذا الرمز الذي تختفي فيه كل خطوط التقسيم بين البشر ولا يبقى فيه إلا حرية الفكر والكلمة والإبداع. أطلق بوسولي من خلال مشروعه “شارع المتنبي يبدأ من هنا”، وهو تجمع ثقافي أسسه الشاعر ومقره مدينة سان فرانسيسكو، دعوة لكل الفنانين والأدباء في العالم أن يعملوا سوية من أجل إصدار 130 كتاباً فنياً جديداً، يتضمن كل واحد منها بين دفتيه رسوماً تعبيرية وأعمالاً فنية ترمز إلى حادث التفجير، وتؤبن الضحايا وبائعي الكتب الذين سقطوا. عدد هذه الكتب الفنية هو عدد القتلى والجرحى الذين سقطوا في تفجير شارع المتنبي. وكانت الاستجابة على مستوى الأفراد والمؤسسات الأكاديمية والثقافية أكبر من المتوقع. تطور المشروع إلى مناسبة سنوية تقام في العديد من المؤسسات الثقافية في مختلف دول العالم إحياء لذكرىرمز الثقافة في بغداد.

بفضل عمل بوسولي الدؤوب اكتسب المشروع زخماً كبيراً تجاوز حدود الولايات المتحدة. في هذا العام، أقيمت احتفاليات للقراءة وإحياء ذكرى شارع المتنبي في 14 مدينة أمريكية، 5 مدن بريطانية، ومدينتين كنديتين، كما أقيم معرض للكتاب في الجامعة الأمريكية في القاهرة.

بالاشتراك مع الشاعرة الفلسطينية ديما الشهابي، أصدر بوسولي كتاب “شارع المتنبي يبدأ من هنا”. وجمع فيه مختارات من إبداعات كتاب وشعراء قدموها كرد على هجوم شارع المتنبي.

بدأت الأمسية النيويوركية بنغمات شرقية قدمتها مجموعة من العازفين العرب والأجانب. نثرت تلك المختارات الجميلة لأم كلثوم وفيروز، عبق الشرق على الحاضرين، ومهدت الطريق أمام الشعر بعد أن حملت الجمهور على اختلاف جنسياتهم إلى جو الشرق الثري بكل عواطف الحب والحزن والفرح.

قرأت الدكتورة ريم بلطيب أستاذة الأدب في جامعة كولومبيا، شعراً صوفياً. ثم قدم طلبتها الأجانب ليقرأوا بالعربية قصائد مختارة لشعراء، مثل أبي الطيب المتنبي، وأدونيس. لم تضعف اللكنة التي أطلت من بين ثنايا الكلمات من مشاعر التضامن مع رمز ثقافي لم يزره أولئك الطلبة أبداً. لم يعد المتنبي شارعاً في بغداد، بل أضحى أيقونة للثقافة التي لا تموت يتبارى في الحديث عنها حتى من لا يجبدون لغة الضاد.

“لقد أنستني الموسيقى إسمي” قالها الشاعر الإيراني- الأمريكي روجر سدارات قبل أن يقرأ “قصيدة مختصرة عن شارع المتنبي” Abridged Qasida for Al-Mutanabi Street تقول “أي نقاشات تتشكل حول أقداح الشاي/ هنا في زقاق إسمه المتنبي/ يمكن للمرء أن يرى في مقهى الشابندر/ كيف يصبح الشاعر نفسه ديوان شعر”.

بين قراءات شعرية مختارة من نصوص عربية وأجنبية، وموسيقى شرقية صدحت في تلك القاعة الصغيرة المحاطة بتماثيل النحات العراقي عوديد التي تستلهم تراث مدينته الأم بغداد، لم يعد الحاضرون غرباء عن بعضهم البعض. انتهت الأمسية وهناك خيط رفيع من الأحرف والنغمات يجمعهم إسمه شارع المتنبي.

قديما قالوا إن الرصاصة التي لا تقتلك تقويك. كان المتنبي شارع الكلمة والثقافة لأهل بغداد وبعد محاولة اغتيال فاشلة، أضحى رمزاً لحرية الفكر وصمود الكلمة أمام النيران في كل أرجاء العالم. الآن عاد العراقيون الذين يشتبكون في صراعاتهم السياسية والطائفية طيلة أيام الأسبوع ليجتمعوا صباح كل جمعة متوحدين في ولعهم بالثقافة. تتلف النيران الكتب وتحيلها رماداً، ولكنها لا تحرق الكلمات.

المصدر

علق باستخدام فيسبوك

تعليقات